الصفحة 533 من 883

أولًا: الوصف، والاسم هذا قطعًا باتفاق أهل اللغة أن كل من اتصف بوصفٍ اشْتُقَّ له اسم من ذلك الوصف، فالقائم إذا قام نقول: هذا قائم، لا يمكن أن تقول: هذا قاعد أو جالس، والمستيقظ تقول: هذا نائم؟ إنما تقول: لا، مستيقظ، والذي وقع والذي يُصلي تقول: هذا مصلٍّ. لا تقول: هذا نائم. إذًا تشتق له اسمًا من الوصف الذي تَلَبَّسَ به، ومن ذَبَحَ لغير الله أو طاف بالقبور أو نَذَرَ للقبور نقول: هذا مُشرك. نسميه مشركًا، أما مسألة ما يتعلق بدخول جنة أو نار نقول: هذا نحتاج إلى نص، فإن ظهر للشخص بأن الدليل دلّ على أنه من أصحاب النار، فهو كذلك وإلا فلا، فإذا كان كذلك نقول: قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ} ، نقول له: عندنا الآية مقسمة {حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ} . إذًا ما قبل حتى مخالف لِمَا بعد حتى، وما بعد حتى مخالف لِمَا قَبْلَها، {حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ} إذًا قبل ذلك لم يسمع، ماذا سمَّاه؟ مشرك، إذًا لا ينبغي أن نختلف، هل هم مشركون أم لا؟ أمَّا هم من أهل الجنة من أهل النار؟ هذه مسألة أخرى، لكن في الدنيا نقول: هذا مشرك. وإذا كان مشركًا لم يكن موحدًا، وإذا لم يكن موحدًا فحينئذٍ القسمة ثنائية، إما مشرك، وإما موحد. ولكل منهما أحكام، فتُنَزّل عليه الأحكام في الدنيا، وأما الآخرة فالشأن إلى الباري جل وعلا، إذًا الفائدة المهمة هنا أن اشتقاق الاسم لا يستلزم ترتب الحكم، فنقول: هذا قبيح، وهذا حَسَنٌ، هل كل قبيح يستلزم التحريم؟ الجواب: لا، لأن العقل قد يُدرك أن هذا الشيء قبيح ويتفق عليه العقلاء، وقد يَختلفون، إذًا ليس كل ما حكم عليه العقل بأنه قبيح أن يكون ماذا؟ يكون محرمًا.

الحاصل هنا أن الوصف بالحسن والقبح لا يستلزم الثواب والعقاب، هذا الأصل فحينئذٍ قال ابن القيم هنا دل على الأصلين: أن أفعالهم وشركهم قبيح قبل البعثة، والعقل قد أدرك ذلك وسمّاهم الشرع بالمشركين {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ} .

ثانيًا: وأنه لا يُعاقبهم إلا بعد الإرسال {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} . وحينئذٍ بعد بعثة الرسل وإنزال الكتب لا حجة لأحد البتة. فنقول: هؤلاء وقعوا في الشرك وهو قبيح وأدركه العقل، ثم يترتب عليه العقاب أو لا؟ نقول: هذا مرتب على البعثة. فلما بُعِثَ النبي - صلى الله عليه وسلم - رتبنا الثاني على الأول.

قال: ( {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} ) هذا وصفٌ للفواحش، أي ما أُعلن منها وما أُسرَّ، الفاحشة قد تكون علنًا، وقد تكون ماذا؟ سرًّا باعتبار فعل الفاعل، لا باعتبار العمل، أي ما أظهره الإنسان للناس وما أبطنه، وقيل: ما ظهر فحشه وما خَفِي، والأول أولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت