الصفحة 532 من 883

حكمت المعتزلة العقل. بمعنى أنهم رتَّبوا على ما أدرك العقل أنه حسن رتَّبوا عليه الثواب، ولو لم يرد في الشرع، وكذلك رتَّبوا العقاب على ما أدرك العقل قبحه ولو لم يرد الشرع به، نقول: لا، الصواب عند أهل السنة والجماعة وهو الوسط في هذه المسألة، المسألة من ثلاثة أقوال: أن الحسن والقبح يُدرك العقل أن هذا حَسَنُ، الصدق الذي هو مطابقة القول للواقع العقل يُدرك أنه حَسَنٌ، كما يُدْركُ قبح ضده وهو الكذب، لكن ترتب الثواب والعقاب هذا لا يدركه العقل إلا من جهة الشرع، وهذا الذي عناه ابن القيم رحمه الله تعالى. لأنه سمَّى الشيء هنا سمَّاه فاحشة ( {قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ} ) هي فاحشة وحرَّمها، يعني سمَّاها وأطلق عليها الوصف فاحشة، ثم قال: ( {حَرَّمَ رَبِّيَ} ) . إذًا التحرم سابق على الوصف بالفحش أم أنه متقدم، أيهما أسبق من الآخر؟ الوصف بالفحش سابق، ثم رتَّب عليه ماذا حرم ربي، ولذلك قال ابن القيم هنا: في هذا النص دليل على أن الأفعال التي توصف بأنها حسنة وقبيحة، كما أنها نافعة وضارة، يعني يُدرك العقل الضرر والنفع لكن لا يترتب عليها على الحسن والقبيح والنفع والضّر لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنهي. قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] . وقال: {ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [الأنعام: 131] . وعلى أحد القولين هو أن المعنى لم يُهلكهم بظلم قبل إرسال الرسل، فتكون الآية دالة على الأصلين، ما هما الأصلان؟ قال: أن أفعالهم وشركهم قبيح قبل البعثة، فالشرك قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - موجود، هل هو قبيح أم لا؟ قطعًا، يُدرك العقل أنه قبيح، ليس عندنا نص هنا، ما بُعث النبي - صلى الله عليه وسلم -، ما أُنْزِلَ القرآن، والزمن زمن الفترة كما يُقال، حينئذٍ نقول: نحكم بالعقل أن الشرك قبيح، لكن هل يدخلون جنة أو نار، نحتاج إلى نصّ، فحينئذٍ الاشتقاق، اشتقاق الوصف للفاعلين من الأسماء لا إشكال فيه، فحينئذٍ نأتي إلى المسألة الأولى المطروحة الآن مسألة (العذر بالجهل) ، الله عز وجل قال: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ} [التوبة: 6] . إذا عرفنا بأن العقل يدرك قبح الشرك، فمن وقع في الشرك حينئذٍ ماذا نقول؟ له جهتان، له حكمان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت