ومسألة العقوبة والإثم هذه مأخوذة من اللفظ، وإلا لاحتجنا كل ما قال: {لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا} . هل في أكله عقوبة، لو لم يرد إلا هذا النص، هل نأخذ العقوبة من هذا اللفظ فقط؟ نعم. نقول: من هذا اللفظ لا تأكلوا. يدل على أن هذا للتحريم، ويدل على ترتب العقوبة في الدنيا والآخرة وهو الإثم، ويدل على أن كل معاملة فيها ربا فالأصل فيها ماذا؟ البطلان والفساد. وكذلك الشأن في العبادات، إذًا ما نهى عنه الشارع سواء كان من جهة الباري جل وعلا، أو من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم - والشارع هذا يذكره الأصوليون من جهة الإخبار {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى: 13] شرع اسم الفاعل منه الشارع، إن أُريد به [الصفة] [1] فالمنع اتفاقًا عند أهل السنة، لأن الصفات توقيفية، إن أريد به الاسم العلم فالمنع، وإن أريد به الوصف فحينئذٍ نقول: {شَرَعَ} الوصف، يؤخذ من الاسم، ويؤخذ من الفعل، ويؤخذ من المصدر كما مرَّ معنا، كما نثبت الاستواء من قوله: {اسْتَوَى} كذلك نثبت التشريع من قوله: {شَرَعَ} لا فرق بينهما، أما الشارع من جهة الإخبار هذا على الخلاف الذي مرَّ معنا، والصواب هنا أن نقول ماذا؟ أنه يجوز أو لا يجوز؟ يجوز لماذا؟ لأن المادة مذكورة في الكتاب والسنة {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ} إذًا جاء اللفظ، وإذا كان كذلك سيكون من قبيل الإخبار والصفات، ولا يكون من قبيل الأسماء، ومن أنكر من المتأخرين هذا لا وجه له البتة على التفصيل الذي ذكرناه. وبمعناه المحظور والممنوع.
والتحريم في الشرع ينقسم إلى قسمين:
شرعي، كما في هذه الآية، افعل، ولا تفعل.
وكونيّ قدريّ: كما في قوله تعالى {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 95] . {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ} هل التحريم هنا كونيّ أو شرعيّ؟ القرية ليست من المكلَّفين لا تخاطب الأصل فيها، الأصل فيها أنها لا تخاطب، ولو تخاطب بماذا؟ بشيء آخر، أليس كذلك؟ كما مرّ معنا أن الجمادات يخاطبها الباري جل وعلا، وتنطق {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} ، قالتا بالفعل لفظًا ومعنى. وإذا كان كذلك فحينئذٍ نقول هنا: القرية ليست مكلّفة، وإذا كانت كذلك فحينئذٍ إذا وُجِدت قرينة تدل على أن التحريم ليس المراد به الشرعي فلا إشكال فيه، وهذا مما يستعمله بعض الناس يقول: حرام عليك تفعل كذا، حرام عليك لماذا ما جئتَ؟ هل يقصد به التحريم الشرعي؟ الظاهر لا، وإنما أراد به المنع، يعني يمتنع عليك أن لا تفعل كذا، وهذا ليس من المحرمات {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} فالتحريم هنا تحريم قدريّ كونيّ.
قوله: ( {قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ} ) فاعل التحريم يعني الذي فعل أو قال التحريم وصدر عنه، وشرع التحريم هو الرب جل وعلا، لأن التحريم هذا حكم من أحكام التكليف، وإذا كان كذلك فمصدر الحكم هو الباري جل وعلا {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} . والرب هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر لجميع الأمور، وإذا أُفْرِدَ أو عُرِّفَ لم يطلق إلا على الله عز وجل، يعني كلمة ربّ لها ثلاثة أحوال:
(1) سبق سيأتي بعد كلام تصويبه إلى الاسم.