قال المصنف رحمه الله تعالى: وقوله: {قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] . قوله: {قُلْ} أي قل يا محمد، الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -، {قُلْ} فحينئذٍ كما مر معنا أن كل هو {قُلْ} في القرآن دلّ على أن القرآن كلام الباري جل وعلا، ليس من عند محمد - صلى الله عليه وسلم -، لو كان من عنده، لما قال: {قُلْ} ، قال يا محمد للمسلمين {يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} [الكافرون: 1، 2] ، {قُلْ} يا محمد للمسلمين {إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ} إذًا دل على ماذا؟ على أنه مُبَلِّغٌ، وإذا كان كذلك لم يكن كلامه عليه الصلاة والسلام إنما هو إضافته إليه من إضافة التشريف والتبليغ فحسب، وليس المراد به أنه مُنْشِئ وواضع لهذا الكلام، {قُلْ} أي قل يا محمد، ففيه دليل على أن القرآن كلام الله، ليس كلام محمد ولا غيره، وإنما محمد عليه الصلاة والسلام مبلغ لكلام الله، {إنَّمَا} هل هي مركبة أم أنها بسيطة يعني أصلًا هكذا وضعت إنما في قولان لأهل العلم، وهي أداة حصر، والحصر هو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عمَّا عداه، كأنه قال الحرام ما ذُكِر، وما عداه فليس بحرام، لأن هذه المذكورات أجناس للمحرمات. إذًا ( {إنَّمَا} ) أداة حصر تُثبت الحكم في المذكور وتنفيه عمَّا سواه ( {قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ} ) ، ( {حَرَّمَ} ) أي جعله حرامًا ومنع منه، لأن ( {حَرَّمَ} ) على وزن فَعَّلَ، وفَعَّلَ تأتي للنسبة، يعني نسبت إليه المادة التي اشتققت منه فعَّل، كما إذا قلت: كَفَّرْتُ يعني نسبته إلى كفَّر مثل حرَّم نسبته إلى الكفر، إذًا ألحقتَ به وصفًا، دل عليه اللفظ كفَّر الكفر، كذلك بدّع بدَّعتُه وفسَّقته وعلَّمته .. إلى آخره كلها تدل على النسبة، إذًا ( {حَرَّمَ} ) يعني نُسِبَ التحريم وأُضيف إلى مادته، من الذي حرَّم؟ الباري جل وعلا {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} ، ( {حَرَّمَ} ) أي جعله حرامًا ومنع منه، وفعَّل هنا للنسبة، كما يقال: كفَّر وبدَّع وفسَّق، يعني نسبته إلى الكفر ونسبته غلى البدعة، ونسبته إلى الفسق، والحرام شرعًا، هو ما نهي عنه الشارع نهيًا جازمًا، فيه حدود كثيرة، لكن المراد به ماذا؟ ما نهي عنه الشارع نهيًا جازمًا، لأن ما نهى عنه الشارع:
-إما أن يكون على جهة الجزم.
-وأما أن لا يكون على جهة الجزم.
إما أن يكون جزمًا، وإما أن لا يكون جزمًا، ما الذي يفرق بين هذا وذاك؟ نقول: إن رتَّب العقوبة على الفعل فهو ماذا؟ فهو جازم، إن لم يرتب العقوبة فليس بجازم، لكن هل يشترط أن تكون العقوبة مذكورة؟ لا، وإنما صيغة لا تفعل تدل على أمرين:
-على التحريم.
-وعلى ترتب الإثم على الفعل.
كل صيغة لا تفعل في القرآن والسنة تدل على هذين الأمرين، وثَمَّ ثالث وهو ما يتعلق بالعبادات والمعاملات وهو فساد المنهي عنه، حينئذٍ: لا تفعل، يدل على ثلاثة أمور:
الأول: التحريم.
الثاني: الإثم والعقوبة.
الثالث: فساد المنهي عنه.