قال أيضًا في (( بدائع الفوائد ) ): والإلحاد في أسمائه تبارك وتعالى أنواع، فقيل: لا يلحدون في أسمائه. نظر ابن القيم في كغيره رحمه الله تعالى لأن الإلحاد المحرم الذي جاء إنكاره وجاء البسط فيه على أنواع:
الأول: أن يُسَمِّيَ الأصنام بها أو أن يُسَمَّى الأصنام بها. يُسَمِّي يعني ملحد، أو يُسَمَّى لا إشكال هذا أو ذاك، أن يُسمي الأصنام بها كتسمية اللات من الإلهية، أو إن شئت قل من الإله، والعُزَّى من العزيز، وتسميتهم الصنم إلهًا، وهذا إلحادٌ حقيقة، فإنهم عَدَلُوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة.
وذكر ابن القيم في هذا النوع نوعين لأنه قال ماذا؟ أن يُسَمِّي الأصنام بها كتسميتهم اللات من الإلهية. هذا اشتقاق. يعني اشتقوا أسماءً لأصنامهم من أسماء الله عز وجل، بمعنى أنهم حَرَّفُوا الاسم ونقلوه إلى معبوداتهم.
الثاني قال: تسميتهم الصنم إلهًا. إذًا أَبْقَوْا الاسم كما هو فنقلوه إلى معبوداتهم. إذًا تسميت الأصنام بها على وجهين على نوعين:
-أن ينقلها إلى المعبودات، لو سَمَّى المعبود بالرحمن سماه كما هو لو سماه بالإله نقول: هذا إلحاد، لماذا؟ لأنه نقل اسمًا من أسماء الله عز وجل وجعله على صنم من أصنامهم، مثل أن يُسمي شيئًا معبودًا بالإله، والإله اسم من أسمائه جل وعلا كما هو دون اشتقاقٍ، فهذا إلحاد ولا شك، أو يشتق منها أسماء لمعبودات كاللات من الإله أو الإلهية، والعزى من العزيز، مناة من الْمَنَّان وهذا أيضًا إلحاد في أسماء الله تعالى، وذلك أنه عدولٌ بها عن الواجب الذي يجب على المكلف في أسماء الله تعالى خاصة، وأنها لا تتعدى ولا يتجاوز بها فتُشْتَقّ للمعبودات منها أسماء.
الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية النصارى له أبًا، وتسمية الفلاسفة له موجبًا بذاته، أو علة فاعلة بالطبع، ونحو ذلك. يعني أن يُسَمِّيَ الله عز وجل بما لم يُسَمِّ به نفسه. نقول: هذا من الإلحاد. ووجه ذلك أننا لم نعمل قاعدة الأسماء توقيفية. قلنا: الإلحاد لا يكون إلا لترك قاعدة، إذا سُمِّيَ الله عز وجل بما لا يليق به حينئذٍ نقول: هذا جَانَبَ قاعدة وهي أن أسماء الله تعالى توقيفية حينئذٍ سَمَّى الله تعالى بما ذكره هنا عن الفلاسفة وعن النصارى فلا يمكن أن يُثْبِتَ له إلا ما ثَبَتَ بالنص، فإذا سُمِّيَ الله بما لم يُسَمِّ به نفسه فقد ألحد ومال عن الواجب بها.
وثالثها: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص كقول أخبث اليهود: إنه فقير. وقولهم: إنه استراح بعد أن خَلَقَ خَلْقَهُ. وقولهم: {يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة: 64] وأمثال ذلك مما هو إلحادٌ في أسمائه وصفاته.