إذًا دلت على ماذا؟ على: وفيها أعظم دلالةٍ على كثرة صفات كماله ونعوت جلاله وأنها لكثرتها وعظمتها لم يكن له فيها مِثْلٌ [وإلا] يعني لم نحمل على هذا المحمل فلو أريد نفي الصفات يعني دون إثبات ما يقابل النفي لكان العدم المحض أولى بهذا المدح، مع أن كل عاقلٍ يفهم من قول القائل: فلانٌ لا مثل له. أنه قد تميز عن الناس بأوصافٍ ونعوت لا يُشَاركونه بها، وهذا واضحٌ من معنى الآية أن معناها إثبات الصفات لا نفيها خلافًا لأهل البدع من الجهمية وغيرهم.
وفي الآية متمسكٌ لمن فَضَّلَ السمع على البصر، ثَمَّ خلافٌ أيهما أقوى وأكثر استعمالًا، أو أحوج السمع أم البصر؟ الآية قدَّمت هنا ماذا: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} قدمت السمع على البصر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فَلاَ يَنْفُونَ عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ) ، ... (فَلاَ يَنْفُونَ عَنْهُ) عن الله عز وجل (مَا وَصَفَ بِهِ) أي الله عز وجل ... (نَفْسَهُ) أي لا ينفي أهل السنة والجماعة كلما جاءت الواو حينئذٍ تفسرها بماذا؟ بأهل السنة والجماعة لأنه يحكي عقيدة أهل السنة والجماعة، أي لا ينفي أهل السنة والجماعة عن الله تعالى ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ع، بل ما يقابله وهو الإثبات (لاَ يَنْفُونَ عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ) فإذا أثبت لنفسه صفةً وجب إثباتها لفظًا وما دلت عليه من معنى مع اجتناب المحاذير الأربعة السابقة، بل يثبتون له الأسماء والصفات وينفون عنهم مماثلة المخلوقات، ورضوا لربهم ما رضيه لنفسه ورضيه له رسوله ع، فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وكذلك رسله فإنهم أعلم بالله وأصدق وأنصح من جميع خلق الله، باب الصفات قائم على التوقيف كما أن باب الأسماء قائم على التوقيف، لأن متعلق الأسماء ومتعلق الصفات هو الله عز وجل، والله تعالى غيب، والعلم بالغيب لا بد أن يكون عن طريق الوحي، وإذا لم يكن ثَمَّ وحيٌ في إثبات اسمٍ ولا في إثبات صفةٍ فحينئذٍ وجب المنع والكف، وهذا هو الأصل. وكذلك رُسُلُه فإنهم أعلم بالله وأصدق وأنصح من جميع خلق الله وأقدر على البيان والتبليغ، وقد بَلَّغوا البلاغ المبين وقد سار على منهاجهم أصحاب النبي ع والتابعون لهم بإحسان والخير في إتباعهم، أليس كذلك؟ الخير في إتباع السلف فكن سلفيًا في باب المعتقد وفي باب الفروع.