الصفحة 170 من 883

وفيها تقديم النفي على الإثبات، لأن الأول من باب التخلية، والثاني من باب التحلية.

وفيها الجمع بين السمع والبصر، فكثيرًا ما يُقرن بينهم لعموم متعلقهما، فسمعه سبحانه محيط بجميع المسموعات، وبصره محيط بجميع المبصرات، وسمعه سبحانه ينقسم إلى قسمين:

-الأول سمعٌ عام.

-والثاني سمعٌ خاص.

سمعٌ عام: وهو سمعه سبحانه لكل مسموعٍ، ولذلك يُفسر السمع بأنه إدراك المسموعات، هذا القدر المشترك كقوله سبحانه: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} [المجادلة: 1] هذا إدراك المسموع.

الثاني سمعٌ خاص: وهو سمع الإجابة والإثابة كما قال سبحانه: {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} [إبراهيم: 39] يعني مجيب الدعاء. ومنه قول العبد في صلاته: سمع الله لمن حمده. أي استجاب سبحانه لمن حمده وأثنى عليه.

وفيها إثبات الصفات لله على ما يليق بجلاله وعظمته.

وفيها أن صفاته ليس كصفات خلقه، والمخلوق وإن كان يوصف بأنه سميعٌ بصير، فليس سمعه وبصره كسمع الرب وبصره، لأنه ماذا؟ جمع بينهما في نصٍ واحد، قال: {السَّمِيعُ البَصِيرُ} وأثبت للمخلوق السمع والبصر، بل قيل: لا يوجد مخلوق ذو حياةٍ إلا وهو متصف بالسمع والبصر، ومع ذلك قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} الجمع بينهما لا إشكال، فكل صفةٍ تمر بك ضع بجوارها {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فحينئذٍ ينتفي التخيل الذي يكون في الذهن، فصفات الخالق كما يليق به، وصفات المخلوق كما يليق به، إذ لا مناسبة بين الخالق والمخلوق، فصفات كل موصوفٍ تناسب ذاته وحقيقته، فلا يعلم كيف هو إلا هو.

قال بعض السلف: إذا قال الجهمي: كيف استوى؟ كيف ينزل إلى السماء الدنيا؟ ونحو ذلك. فقل له: كيف هو بنفسه؟ فإذا قال: لا يعلم كيف هو إلا هو، وكونه الباري غير معلوم للبشر، فقل له: فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف - كما سبق معنا - فكيف يمكن أن يُعْلَمَ كيفية صفةٍ لموصوفٍ لم تعلم كيفيته، والعلم بكيفيته إنما هو واحد من أمورٍ ثلاثة:

-إما رؤية الذات.

-أو المثيل المساوي النظير.

-أو خبر الصادق.

وكلها منتفية ولا إشكال فيه، وإنما تعلم لذات والصفات من حيث الجملة، فلا سبيل إلا العلم بالكنه والكيفية، فإذا كان في المخلوقات ما لا يُعْلَمُ كنه فكيف بالباري سبحانه، فهذه الجنة ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء. فالاتفاق في الأسماء لا يستلزم ماذا؟ اتفاق في الحقائق. وهذه الروح نجزم بوجودها وأنها نعرج إلى السماء، وأنها تُسَلُّ منه وقت النَّزْعِ، وقد أمسكت النصوص عن بيان كيفيتها، فإذا كان ذلك في المخلوق فكيف بالخالق سبحانه وتعالى. فالأمر واضح بَيِّن لِمَنْ لَهُ عقل وأدرك ما أراده الله عز وجل.

وفيها أعظم دلالة على كثرة صفات كماله ونعوته جلاله، لأنه قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} لماذا؟

{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} لكونه لم يتصف بصفة؟ لو كان كذلك لصار هو والعدم سواء، لكن {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} لكثرة صفاته، ثم لمنتهى كل صفةٍ من تلك الصفات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت