والآخر: أن يكن معناه ليث مثله شيءٌ وتكون الكاف هي المدخلة في الكلام. أكثر المفسرين لا يحكون إلا هذين القولين: إما القول بأن الكاف هي الزائدة، وإما أن المثل هو الزائد، واختار البغوي ماذا؟ أن مثل هو الزائد، وظاهر الترجيح أن ابن جرير أن الكاف هي الزائدة وهو أصح الأقوال.
الوجه الثالث في الكاف أن تكون المثل بمعنى النفس يعني: الوجه الثالث في الآية تفسير الآية {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} عرفنا أننا لو حملنا الكاف على أصلها حينئذٍ أثبتنا المثيل، فَفَرَّ بعضهم من قوله مثل بأن نجعل المثل بمعنى النفس والعين وإذا جعلناه بمعنى النفس والعين فَسَّرْنَاه بالذات، فصار التقدير كيف؟ ليس كذاته شيءٌ، أن تكون المثل بمعنى النفس أو بمقامها، فإذا انتفي الأمر عن المثل انتفى الأمر عن الذات، وهذا الذي عناه الشوكاني رحمه الله تعالى ورجحه في تفسيره (( فتح القدير ) )بأنه من باب المبالغة. العرب إذا أرادت أن تنفي الشيء عنك أثبتته للمثيل، مثلك لا يفعل ذلك. يعني ذاتك أنت لا تفعل ذلك، تَنْزِيهًا لك عن تقع في هذا الحدث فيثبتون لك المثيل من باب التَّنَزُّل وينفون عنك، تقول: ليس أو مثلك لا يبخل، مثلك لا يفعل كذا. العرب تقول: مثلك لا يفعل كذا. يعنون المخاطبة نفسه، حينئذٍ أرادوا بالمثل ماذا؟ الذات أو العين أو النفس، لأنهم يريدون المبالغة في نفي الوصف عن المخاطب، يعني لا يمكن أن تتصف أنت بما أُسْنِدَ إليك في هذا، وإنما يُسند إلى ماذا؟ إلى مثيلك، وهذا الفعل لا يصدر منك أبدًا، وإنما يصدر من مثيلٍ، فحينئذٍ إثبات المثل هنا من باب المبالغة، فلا حقيقة له، يريدون المبالغة في نفي الوصف عن المخاطب فينفونها في اللفظ عن مثله فيثبت انتقاؤها عنه بدليلها. يعني ينفى الوصف عن المثيل الذي وُضِعَ جدلًا وذهنًا يلزم منه ماذا؟ نفيها عن ما جُعِلَ المثل مثيلًا له. ما الدليل؟ هو لفظ المثل. أشبه ما يكون بالقرينة التي تدل على أن اللفظ استعمل في غير ما وضع له، فهذا مرادهم. ومنه قول الشاعر:
على مثل ليلى يقتل المرء نفسه ... وإن بات من ليلى على اليأس طاويًا
الله أكبر.
على مثل ليلا يعني على ليلى نفسها أو مثلها، محبوبته ليلى، وليست مثيلة ليلى حينئذٍ على مثل ليلى يقتل المرء نفسه. وحُمِلَ عليه قول الشاعر السابق:
ليس كمثل الفتى زهيرٍ ... خلقٌ يوازيه في الفضائل
وكقول:
سعد بن زيدٍ إذا أبصرت فضلهمُ ... فما كمثلهم في الناس من أحدٍ
قالوا: هنا استعمل المثل ليس المراد به المماثلة أو المشابهة، لا، ليس على بابها، وإنما تُجُوِّزَ به في الذات، فأطلق المثل أُرِيدَ به الذات، حينئذٍ النفي عن المثل نفيٌ عن أصل ما جُعِلَ المثل له مثيلًا.
قال ابن قتيبة: العرب تقيم المثل مقام النفس، فتقول: مثلي لا يقال له هذا. أي: أنا لا يقال لي. حينئذٍ استعمل المثل مرادًا به النفس، ورَجَّحَ هذا الشوكاني في (( فتح القدير ) )حيث قال: والمراد بذكر المثل هنا المبالغة في النفي بطريق الكناية، فإنه إذا نفى عمن يناسبه كان نفيه عنه من بابٍ أولى، كقولهم: مثلك لا يبخل، وغيرك لا يجود.