الصفحة 163 من 883

خُذْ مثال: قوله عز وجل: {مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ} [المائدة: 19] من هذه وُضِعَتْ في الأصل لماذا؟ للابتداء، ابتدائية زمانية أو مكانية أو قل ما شئت من معاني التي ذكرها النحاة ولها عشرون معنى سواء كانت حقيقة أو أحدها حقيقة والآخر مجازًا. حينئذٍ {مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ} أي معنًى استعملت {مِن} في هذا الموضع؟ ليس لها معنى البتة {مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ} ليس لها معنى البتة، لا التبعيض، ولا ابتدائية، لا زمانية، ولا مكانية، ولا بمعنى الباء، ولا .. إلى آخره كلها منفية، ولا يصلح أن يستقيم الكلام مع معنى من المعاني العشرين ونحكم حينئذٍ بماذا؟ أن {مِن} هنا زائدة، ولذلك يؤكد ذلك أن بشير هذا فاعل لأن {مَا جَاءنَا} ، {جَاء} هذا فعل ماضي و {نَا} هذه مفعول به و {بَشِيرٍ} هذا فاعل، والفاعل مرفوع وجُرَّ، هنا بضمةٍ مقدرة منعًا من ظهورها اشتغال محل بحركة حرف الجر الزائد، ماذا أفادت {مِن} هنا؟ أفادت التوكيد، لماذا أفادت التوكيد؟ لأن العرب إذا أرادت أن تؤكد الجمل في أصل تركيبها تكرر الجملة مرتين أو ثلاث على خلاف بينهم، فالأصل أن يقال: (ما جاءنا بشيرٌ) ، (ما جاءنا بشيرٌ) ، (ما جاءنا بشيرٌ) . فحينئذٍ من باب الاختصار وهو القاعدة الكبرى التي ذكرها السيوطي قاعدة العرب الكبرى ذكرها في (( الأشباه والنظائر ) )قال: قاعدة العرب الكبرى الاختصار. ثم قال: وما وضع الضمير إلا من أجل الاختصار. الضمائر كلها ما وضعت إلا لأجل الاختصار. حينئذٍ لَمَّا أريد الاختصار في تكرار الجملتين والثلاث حُذِفَتْ الجملتان أو الجملة الثانية وعُوِّضَ عنها (مِنْ) قيل: {مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ} هذا ماذا تفهم منه؟ تفهم منه أنه في قوة قولك: (ما جاءنا بشيرٌ) ، (ما جاءنا بشيرٌ) ، (ما جاءنا بشيرٌ) . ما الذي دلّ على ذلك؟ دل عليه (مِنْ) . إذًا لا مانع أن يقال بأن في القرآن ما هو زائد، لكن عند العوام لا يقال: زائد، لماذا؟ العوام لا يفهمون هذا المعنى، وإنما يفهمون أنه يمكن حذفه، إذا قلت: (من) زائدة. يقرأه: (ما جاءنا بشيرٌ) أو لا؟ يمكن أن يفهم هذا، فلئلا يتلبس على العامة وأشباه العامة حينئذٍ لا يقال بالزيادة في الحديث معهم، وإنما يعبر بالصلة والتوكيد، وأما عند طلاب العلم فلا بأس أن يقال بأنه حرف زائد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت