ثم {لَيْسَ} نفيًا مطلقًا ولا إثباتًا مطلقًا بل هو مقيد. مقيد بالحال والسياق وهو أنه نفى على جهة الإجمال لا التفصيل، وأثبت على جهة التفصيل لا الإجمال. إذًا نفيٌ وإثبات نعم لكل ليس مطلق النفي وليس مطلق الإثبات، وإنما هو نفيٌ مجمل يعني: لم يفصل لم يحدد العيوب التي نفاها، وإنما قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} نقول هذا نفيٌ مجملٌ، {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} هذا إثباتٌ مفصل. إذًا باب الأسماء والصفات قائم على النفي والإثبات، ثم ليس كل نفي بل هو نفيٌ مجمل، وليس كل إثباتٍ بل هو إثباتٌ مفصل، خلافًا لأهل البدعة عكسوا الأمر فصَّلُوا في النفي وأجملوا في الإثبات. إذًا مقارنة مع أهل البدعة يتضح الأمر. وأيضًا في هذه الآية بيان لصفة هذا النفي والإثبات وهو أن النفي مجمل والإثبات مفصل فقال سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} هذا نفيٌ مجملٌ يعني بدون تحديد هذا النفي مسلط على أي شيء، ما هو النقص الذي نفاه؟ لم يعين {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} في ماذا؟ لم يعين، بل أطلق فحينئذٍ يعم، {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} عَيَّنَ الصفة وهي صفة السمع وصفة البصر. إذًا إثباتٌ مفصل.
قال أهل السنة والجماعة قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} يتبين على ما سبق {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} رَدٌّ على الممثلة، فرقة الممثلة ودينهم أبطله بهذه الجزئية {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وهم قالوا ماذا؟ قالوا: يدٍ كيدٍ، وجهٌ كوجهٍ، سمعٌ كسمعٍ، جاءت الآية ناسفة لمذهبهم من أصله، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} هذا رد على الممثلة وإبطال لمذهبهم {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} هذا ردٌّ على المعطلةٌ الذين نفوا الصفات كلها أو جزءًا منها، لأنه أثبت صفة السمع والبصر. قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} الكاف هنا فيها خلاف بين أهل العلم نحاةً ومفسرين وأرباب العقائد، وأصح الأقوال أن يقال: إن الكاف هنا زائدة للتوكيد، وهل يزاد في القرآن أو يقال في القرآن ما هو زائد؟ نقول: نعم، الصحيح أنه يقال في القرآن ما هو زائدٌ، لكن يَرِدُ السؤال: ما المراد بالزيادة؟ هل المراد بالزيادة ما خروجه كدخوله؟ الجواب: لا، وإنما المراد به أنه استعمل في غير معناه الذي وُضِعَ له في لسان العرب هذا المراد، ما المراد؟ أنه استعمل في لسان العرب في غير ما وضع له، ويفيد معنى - له معنى - وهو التوكيد، كل حرف زائدٍ حينئذٍ تأخذ منه فائدتين.
الأولى: أنه استعمل في غير ما وُضِعَ له في لسان العرب.
ثانيًا: أن معناه التوكيد وليس مراد أنه ليس له معنًى، لا، وإنما أفاد التوكيد. إذا تقرر ذلك فحينئذٍ إذا قيل: ليس في القرآن زائد. نقول: هذا إجمال، ما المراد به؟ إن كان المراد ما دخوله وخروجه سواء؟ لم يقل به أحد من أهل العلم، وإن كان المراد أنه اسْتُعْمِلَ في غير ما وُضِعَ له في لسان العرب وأفاد التوكيد أكثر النحاة والمفسرين على هذا.