ففرق مالك رحمه الله تعالى بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة وبين الكيف الذي لا يعقله البشر، وإجابة مالك رحمه الله تعالى وغيره جوابٌ كافٍ شافٍ في جميع مسائل الصفات، كل ما سُئلت عن كيفيةٍ فقل: أخبرنا باللفظ وفهمنا معناه اللغوي، وأما الكيف فالله أعلم به. نثبت المعنى ونفوض الكيف. إذا قال: كيف ينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا؟ نقول له: النزول معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. ... {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ} [الفجر: 22] . كيف يجيء كيف يأتي؟ المجيء معلوم، والكيف مجهول [والسؤال عنه بدعة] والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. وإن كنت صاحب سلطة فاطرده أخرجه، فإذا سئل إنسان عن المجيء أو النزول أو السمع أو البصر أو غير ذلك أجاب بجواب مالك رحمه الله تعالى، فيقال مثلًا: المجيء معلوم والكيف مجهول. وكذلك من سئل عن الغضب والرضا والضحك وغير ذلك فمعانيها كلها مفهومه، وفهمها على ما يقتضيه لسان العرب، وأما كيفيتها فغير معقولةٍ، إذ تعقل الكيفية فرع العلم بكيفية الذات، تعقل الكيفية كيفية الصفات فرع العلم بكيفية الذات، ونحن لا نعلم كيفية الذات فإذا كان ذلك غير معقولٍ للبشر فكيف يُعقل لهم كيفية الصفات.
قوله: (وَلاَ تَمْثِيلٍ) هذا المحذور الرابع والأخير مما يجب إخلاء الإيمان بالأسماء والصفات منه، (وَلاَ تَمْثِيلٍ) يعني ومن غير تمثيلٍ، فإيماننا بالأسماء والصفات يكون على وجهٍ يُنفى عنه مماثلة الخلق، يعني مشابهة الخلق، والتمثيل قيل: هو التشبيه. يعني فُسِّرَ التمثيل بالتشبيه، والتشبيه بالتمثيل. ولذلك نقول: قيل. لأنه قولٌ مرجوح. والتمثيل: قيل هو التشبيه، يقال: مَثَّلَ الشيء بالشيء سَوَّاه وشَبَّهَهُ به، وجَعَلَهَ مِثْلَهُ وعلى مِثَالِهِ، فالشبيه والمثيل والنظير ألفاظٌ متقاربة، فلا نمثل صفاته بصفات خلقه جل وعلا فإنه لا مثيل له ولا شِبْه له ولا نظير له، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. فهو عامٌ كما قال سبحانه وتعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، {شَيْءٌ} نكرة في سياق النفي فتعم، يعني قلنا: لا نظير له في أسمائه وصفاته وذاته .. إلى آخره دل عليه لفظ {شَيْءٌ} لأنه نكرةٌ في سياق النفي.
وفَرَّقَ بعضهم بين التمثيل والتشبيه وقال: التمثيل إثبات مثيلٍ للشيء، والتشبيه إثبات مُشَابِهٍ له. وما سبق من تسوية التمثيل والتشبيه هو قولٌ لبعض أهل اللغة ولا إشكال فيه، لكن نحن نبحث هنا عن مصطلحٍ يتعلق بباب المعتقد، حينئذٍ تحرير اللفظ أن يقال: التمثيل هنا ليس هو التشبيه وإنما قد يجتمعان وقد يفترقان، فلا نقول التشبيه هو التمثيل من كل وجهٍ، لا، وإنما يختلفان فالقول الآخر الثاني الذي أثبت الفرق بين التمثيل والتشبيه هو أليق بهذا المقام، يعني باب المعتقد والبحث في باب الأسماء والصفات. فالتمثيل إثبات مثيلٍ للشيء من كل وجهٍ مساوٍ له من كل وجهٍ، والتشبيه إثبات مشابهٍ له، لا من كل وجهٍ.
فالتمثيل يقتضي المماثلة وهي المساواة من كل وجهٍ.
والتشبيه يقتضي المشابهة وهي المساواة في أكثر الصفات.