الصفحة 145 من 883

تفرقون؟ إثبات كُنْهِ الصفة، هذا محذور؟ إن كان مراد إثباته لله عز وجل دون علمٍ لنا به لا محذور فيه، وأما تعيين كنه الصفة وحقيقتها وماهيتها بأنها على هيئة كذا وكذا؟ نقول: هذا من التكييف المحرم الذي لا يجوز بحق الباري جل وعلا. إذًا التكييف هو تعيين كنه الصفة. يعني حقيقة الصفة والماهية، أو حكاية كيفية الصفة. يقال: كَيَّفَ الشيء يعني جعل له كيفيةً معلومة، لو قال الاستواء {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} الاستواء معلوم وله كيفية، لكن الله أعلم بها، هذا عقيدة السلف {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} الاستواء بمعنى كذا وكيفيته كذا، حينئذٍ نقول: هذا كَيَّفَ الصفة. أي جعل له كيفيةً معلومة وكيفية الشيء صفته وحاله، فالتكييف تعيين كنه الصفة وكيفيتها، وهذا مما استأثر الله به، يعني: داخلٌ في قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ} . فالكيفيات داخلةٌ في هذا المعنى فلا سبيل إلى الوصول إليه لماذا؟ إذ الصفة تابعةٌ للموصوف، يعني لا يمكن أن يُدرك حقيقة الصفة إلا إذا علم الذات، فيعلم أولًا الذات على حقيقتها، ثم إذا أضيفت إليها الصفة علمها، ونحن عندنا يتعذر العلم بذات الرب جل وعلا، فإذا كان الأمر كذلك كل صفةٍ تسند وتضاف إلى الباري جل وعلا وحينئذٍ نقول: لا نعلم كيفيتها، لماذا؟ لأننا لا نعلم كيفية الباري جل وعلا. إذ التكييف للصفة فرع الكيف للذات، فامتنع الثاني فترتب عليه امتناع الأول. إذ الصفة تابعةٌ للموصوف فكما لا يعلم كيف هو إلا هو، فكذلك صفاته.

عقيدة أهل السنة والجماعة مريحةٌ للقلب يعني يترتب عليها طمأنينة القلب وبرد اليقين وانشراح الصدر، ليس كما هو الشأن عند أهل البدع، ولذلك يتنقلون كل يومٍ له عقيدة، كل شهرٍ له عقيدة، وهذا شأن أهل البدع كل يوم لهم دينٌ جديد.

فكذلك الصفات، فالصفات يحذى فيها حذو الذات، وقد سئل مالكٌ رحمه الله تعالى فقيل له: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى. إذًا السؤال في التكييف يكون بكيف، فقال الإمام مالك: الاستواء معلومٌ، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.

قواعد، أئمة، كلامهم دُرَر، وحينئذٍ صار قاعدةً من قواعد أهل السنة والجماعة. الاستواء معلومٌ والكيف مجهول. إذًا بَيَّنَ أننا نعلم معنى ... {اسْتَوَى} ونجهل كيفية هذا الاستواء، هل بينهما تناقض؟ لا، نثبت المعنى ونفوض الكيف، هنا التفويض لا بأس به، إطلاق التفويض في الكيف هذا من عقيدة السلف، أما تفويض المعنى يعني إرجاء المعنى إلى الله عز وجل هذا تفويضٌ مذموم وهو مبتدع محدث، وأما تفويض الكيف بأننا نقول: لا نعلم كيف استوى بعدم علمنا بذاته جل وعلا، ولا يعلم كيف استوى إلا هو نقول: هذا تفويضٌ وهو محمودٌ، بل هو واجبٌ.

وكذلك رُوِيَ عن ربيعة مثل هذه الإجابة وكذلك رُوِيَ عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن لا يصح عن أم سلمة وإن اشتهر عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت