{أَوْ أَنَّ خَطِيبَهَا قُتِلَ عَلَى الْمِنْبَرِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ عِنْدَ الْجَمِيعِ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ الْمُعْتَبَرِينَ} .
وخالف في ذلك الشيعة {لَنَا الْقَطْعُ عَادَةً بِكَذِبٍ مِثْلِ هَذَا، فَإِنَّهَا تُحِيلُ السُّكُوتَ عَنْهُ. وَلَوْ جَازَ كِتْمَانُهُ لَجَازَ الإِخْبَارُ عَنْهُ بِالْكَذِبِ} مراد الشيعة هنا بخبر الإمامة، أنه ما نقله إلا علي ومن وراءه. وهذا كذبٌ؛ لأنه لو كان كذلك لنُقل، لكن لما لم ينقله أحد من الصحابة أين هو؟ حينئذٍ نقول: هذا الخبر معلوم كذبه.
قال هنا: وَلَوْ جَازَ كِتْمَانُهُ لَجَازَ الإِخْبَارُ عَنْهُ بِالْكَذِبِ، ولجَازَ كِتمانُ مِثْلِ مَكَّةَ وَبَغْدَادَ.
وَبِمِثْلِهِ يُقْطَعُ بِكَذِبِ مُدَّعِي مُعَارَضَةِ الْقُرْآنِ. وَالنَّصِّ عَلَى إمَامَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَمَا تَدَّعِيهِ الرِّافضة. وَلَمْ تُنْقَلْ شَرَائِعُ الأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِمْ.
تسمية هؤلاء بالشيعة فيه نظر؛ لأن الشيعة هذا محتمل وإنما يسمون الرافضة، ولذلك يُعلَّق حكم التكفير على الرافضة لا على الشيعة، يعني يقال: الرافضة كفار دون تفصيل، أما الشيعة لا؛ لأن الشيعة أُطلق في أول الأمر على من تشيّع لعلي، ولم يكن عنده شرك إلى آخر ما عند المتأخرين من الكفر الأكبر الصريح المعلوم من الدين كُفرُهم. حينئذٍ نقول: يُعلَّق الحكم على الرافضة.
{وَلَمْ تُنْقَلْ شَرَائِعُ الأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أجمعين لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا} .
ثم قال رحمه الله تعالى: (وَيُعْمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي فَتْوَى وَحُكْمٍ وَشَهَادَةٍ) وهذا بالإجماع، وفي (أُمُورٍ دِينِيَّةٍ، وَأُمُورٍ دُنْيَوِيَّةٍ) {عَلَى الصَّحِيحِ} . يعني: يُعمل بخبر الواحد في ماذا؟ قال: (فِي فَتْوَى) .
ليس المراد هنا خبر الواحد فيما نُقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فحسب لا، خبر الواحد هو الذي دل عليه قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) ) [الحجرات:6] فتثبَّتُوا، دل ذلك على أن الأمر عام، ليس خاصًا بالنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم .. ليس هو في الحديث فحسب.
ولذلك مر معنا أن الخبر عند الأصوليين يبحثون عنه بمطلق الخبر، سواء كان منتهاه النبي صلى الله عليه وسلم أو لا، ولذلك مر معنا أنهم لا يشترطون إسلام النقلة؛ لأنه عام، أما الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم يُشترط فيه أن يكون مسلمًا.
هنا قال: (وَيُعْمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي فَتْوَى) يعني: لو أفتاك مفتٍ واحد كفاك في اعتماد الفتوى، ولا يُشترط الثاني والثالث والرابع لا، وكذلك في حكم يعني: عند القاضي، وكذلك في شهادة. لكن خبر الواحد في الشهادة هنا اثنان إلى أربعة وهي شهادة .. أو اثنان.
قال: {إجْمَاعًا} .
لا خلاف في وجوب العمل بخبر الواحد في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية، وإنما الخلاف في الأمور الدنيوية. هذا الذي وقع فيه نزاع.
فالجمهور قالوا: يجب العمل به ثم اختلفوا، فالأكثرون أنه يجب سمعًا.