فهرس الكتاب

الصفحة 1450 من 1890

إذًا: البحث في الأصل إنما يكون في باب القياس في العلل المتعدية التي لها أثر، وأما العلل القاصرة فالأصل ألا يبحث فيها أصحاب القياس؛ لأنهم لا يستفيدون منها من حيث التعدية، وإن كان يستفيدون منها من حيث عدم تعدية هذا الوصف إلى وصفٍ آخر .. إلى محلٍ آخر.

حينئذٍ نقول: النظر في العلة إما من جهة التعدية أو عدم التعدية، فالأول هو بحث الأصولي في هذا المقام.

قال هنا: (مِنْ شُرُوطِهَا أَنْ لا تَكُونَ مَحَلَّ الْحُكْمِ) المراد بالعلة القاصرة: هي التي لا تتعدى المحل. يعني: لا يوجد هذا الوصف في غير هذا المحل، وهذا له ثلاث صور:

الصورة الأولى: أن يكون الوصف محل الحكم .. عينُه كالذهب مثلًا، حينئذٍ نقول: الذهب ربويٌ لكونه ذهبًا، علَّلنا بالمحل نفسه، وهذه علَّة قاصرة.

إذًا: هذه صورة من صور العلل القاصرة.

الثاني: أن يكون جزءًا من ماهية محل الحكم. جزءًا من الذهب مثلًا، ومثَّلوا به بخروج الخارج؛ لأن الخارج من السبيلين ذاتٌ،"خارج"فاعل .. اسم فاعل، وهو دالٌ على الذات والصفة، وحينئذٍ الخروج جزءٌ من الماهية، وحينئذٍ هذه علة قاصرة ولا تتعدى.

الصورة الثالثة: هو الوصف اللازم الذي لا يتعدى المحل، كالثمنية في الذهب هذه لا تتعدى.

فحينئذٍ نقول: العلة القاصرة لها ثلاث صور، ذكر المصنف هنا (مِنْ شُرُوطِهَا) أي: من شروط العلة (أَنْ لا تَكُونَ مَحَلَّ الْحُكْمِ) الذي يثبت فيه الحكم.

(وَلَا جُزْأَهُ) إذًا: ذكر صورتين.

وقال: (الْخَاصّ) هذا احترازًا عن المشترك، فإنه يكون في المتعدية.

أردتُ التنبيه على أن هذا الفصل وهذا الشرط إنما هو يتعلق بالعلة القاصرة، بل هو صورة من صور العلة القاصرة، سواءٌ كان في محل الحكم أو جزءًا من محل الحكم.

قال:"وأن لا تكون قاصرة مستنبطة".

"قاصرة"يعني: لا تتعدى عن محل النص، بل مقتصرة عليه.

وهذه العلة القاصرة أجمعوا على منع القياس بها .. بالإجماع، لا خلاف بين الأصوليين أنه لا يصح القياس على العلة القاصرة، وإنما اختلفوا في صحة التعليل بها في محلها، هل يصح أن نقول: هذا الحكم معلَّل أو لا؟ والصواب أنه يصح أن نقول: هذا الحكم معلَّل، وهذه العلة قاصرة فلا تتعدى.

وفيها الفوائد الأربعة التي ذكرها المصنف رحمه الله تعالى: {وَفَائِدَةُ ثُبُوتِ قَاصِرَة بِنَصٍّ أَو إِجمَاع} وكذلك المستنبطة، فلا فرق بينها (مَعْرِفَةُ الْمُنَاسَبَةِ، وَمَنْعُ الْإِلْحَاقِ، وَتَقْوِيَةُ النَّصِّ) ، (وَزِيَادَةُ الْأَجْرِ) على ما ذكره ابن السبكي.

إذًا: أن لا تكون العلة قاصرة، فإن كانت قاصرة فحينئذٍ لا يصلح اعتمادها في القياس، فإن اعتمد علة قاصرة لم يصح القياس؛ لانتفاء ركنٍ من أركان القياس وهو وجود العلة في الفرع، إذ هي مختصةٌ بالأصل.

قال: (مُسْتَنْبَطَةً) لأن العلة سواءٌ كانت قاصرة أو متعدية ثلاثة أنواع: إما أن تكون مُسْتَنْبَطَةً، وإما أن تكون منصوصًا عليها يعني: جاء النص بها، وإما أن يكون مجمعًا عليها.

فعندنا علة متعدية هذه ثلاثة أقسام: منها المستنبط كالإسكار مثلًا، ومنها المنصوص عليه، ومنها المجمع عليه.

وكذلك القاصرة ثلاثة أنواع: منها المستنبط، ومنها المنصوص، ومنها المجمع عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت