{فَإِنْ قِيلَ} يعني: أُورد اعتراض {لِمَ جَعَلُوا هُنَا السُّؤَالَ وَالْحَادِثَةَ قَرِينَةً صَارِفَةً عَنْ الْقَوْلِ بِهَذَا الْحُكْمِ فِي الْمَسْكُوتِ} جعلنا الحكم خاصًا بالمنطوق ونفينا المفهوم، ولا دلالة له البتة، أبطلناه من أصله فلا يدل، كأن الكلام ليس له إلا منطوق، هذا هنا في هذا الموضع.
{وَلَمْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ فِي وُرُودِ الْعَامِّ عَلَى سُؤَالٍ أَوْ حَادِثَةٍ صَارِفًا لَهُ عَنْ عُمُومِهِ عَلَى الأَرْجَحِ} لِم فصلتم بين المقامين؟ فهناك قلتم العبرة بعموم اللفظ ولو كان السببُ خاصًا، ولو كان السؤال خاصًا، وإذا كان الجواب عامًا فاعتُبِر .. لم فرَّقتم بين البابين؟
{بَلْ لَمْ يُجْرُوا هُنَا مَا أَجْرَوْهُ هُنَاكَ مِنْ الْخِلافِ فِي أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لاَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ} .
يعني: هناك اختلفتم وهنا لم تختلفوا.
{أُجِيبُ: بِأَنَّ الْمَفْهُومَ لَمَّا ضَعُفَ عَنْ الْمَنْطُوقِ فِي الدَّلالَةِ انْدَفَعَ بِذَلِكَ وَنَحْوِهِ} .
يعني: المفهوم لضعفه فوقَع في جواب سؤالٍ لا يقوى أن يكون له احتجاجًا أو اعتبارًا. يعني: هو ضعيفٌ في نفسه، وإذا كان ضعيفًا في نفسه حينئذٍ جاءت قرينة تدل على عدم اعتباره وهو كونه في جواب سؤال.
{وَقُوَّةُ اللَّفْظِ فِي الْعَامِّ تُخَالِفُ ذَلِكَ، وَلِقُوَّةِ اللَّفْظِ فِي الْعَامِّ ادَّعَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ دَلالَتَهُ عَلَى كُلِّ فَرَدٍّ مِنْ أَفْرَادِهِ قَطْعِيَّةٌ} .
وهذا التعليل فيه شيءٌ من النظر.
{وَمِنْ شَرْطِ الْعَمَلِ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ أَيْضًا: أَنْ لاَ يَكُونَ الْمَنْطُوقُ ذُكِرَ لِزِيَادَةِ امْتِنَانٍ} .
نحن قلنا دلالته لفظية، وقلنا هو حجة، إذا جمَعت هذا مع ذاك تقول: الأصل فيه اطراده ولا فرق بينه وبين العام. وهذا على القاعدة السابقة: أن الشيء إذا ثبت أنه دليلٌ شرعي صار مطردًا .. هذا الأصل فيه، إن حصل تعارض حينئذٍ جئنا إلى باب التعادل والتراجيح فننظر فيه، وأما ما ذكره هذا فيه شيءٌ من النظر.
قال كذلك: {أَنْ لا يَكُونَ الْمَنْطُوقُ ذُكِرَ لِزِيَادَةِ امْتِنَانٍ عَلَى الْمَسْكُوتِ عَنْهُ، نَحْوُ قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلا: (( لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا ) )} واللحم غير الطري؟ نقول: لا. هنا المراد به زيادة امتنان يعني: اللحم الجديد لا شك أنه أولى من القديم الذي جُفِّف وعُرِّض على الشمس، النفس تشتهي الأول أكثر من الثاني، والامتنان يحصل بالأول أكثر من الثاني.
إذًا: لمناسبة امتنان هنا، فلا مفهوم له البتة.
{فَلا يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ الْقَدِيدِ} اللحم المُقدَّد: ما قُطع طولًا ومُلِّح وجُفِّف في الهواء والشمس.
قال هنا: {فَلا يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ الْقَدِيدِ مِنْ لَحْمِ مَا يُؤْكَلُ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ كَغَيْرِهِ} .
إذًا: هنا لا مفهوم له؛ لكونه لزيادة امتنان يعني هناك قرينة تدل على عدم اعتباره.
(وَلَا لِحَادِثَةٍ) يعني: كالسؤال السابق، ولذلك ضمَّ ما مر في الأمرين.
(وَلَا لِحَادِثَةٍ) يعني: هو سببٌ، والسبب يكون صارفًا عن اعتبار المفهوم.