هذه كم فائدة؟ {أَدَلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْ الْقَوْلِ, وَأَسْرَعُ إلَى الْفَهْمِ، وَأَثْبَتُ فِي الذِّهْنِ، وَأَعْوَنُ عَلَى التَّصَوُّرِ} أربع فوائد. هذه الفائدة تُؤخذُ وتُكتَبُ عند باب الأفعال؛ لئلا يحصل خللٌ في فهم أفعال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأكثر الأصوليين على خلل كبير في باب الأفعال .. بناءً على هذا: أنهم يقدِّمون القول مطلقًا على الفعل.
قال: {وَقَدْ عَرَّفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلَ ابْنِ آدَمَ وَأَجَلَهُ وَأَمَلَهُ بِالْخَطِّ الْمُرَبَّعِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ} مشهور الحديث.
بيَّنه بفعله؛ إذ هو أدل على المقصود.
قال: (وَبِإِقْرَارٍ عَلَى فِعْلٍ) يعني: يَحْصُلُ الْبَيَانُ أَيْضًا بِإِقْرَارٍ عَلَى فِعْلٍ، يُقِرُّه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحينئذٍ حصل به البيان، والتقرير مر معنا أنه هو دليلٌ شرعي وتثبت به الأحكام الشرعية.
ولذلك القاعدة في هذا الباب: كل ما حصل به إثبات الأحكام الشرعية فهو مبيِّن، سواء كان ابتداءً -وهذا لا إشكال فيه-، أو مزيلًا لمشكلٍ في مُجملٍ.
قال: (وَبِإِقْرَارٍ عَلَى فِعْلٍ) {أَيْ إقْرَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فِعْلِ بَعْضِ أُمَّتِهِ؛ لأَنَّهُ دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ، فَصَحَّ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِغَيْرِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الأَدِلَّةِ} .
(وَكُلُّ مُقَيَّدٍ مِنْ الشَّرْعِ بَيَانٌ) هذه قاعدة.
قال: وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ الْبَيَانُ، تَتَنَاوَلُ مَا سَبَقَ وَمَا يَأْتِي بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى, ذَكَرَ ذَلِكَ الطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ.
وَبيانُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:
مِنْهَا: التَّرْكُ، مِثْلُ أَنْ يَتْرُكَ فِعْلًا قَدْ أُمِرَ بِهِ يترك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعلًا قد أُمر به.
{أَوْ قَدْ سَبَقَ مِنْهُ فِعْلُهُ فَيَكُونَ تَرْكُهُ لَهُ مُبَيِّنًا لِعَدَمِ وُجُوبِهِ} إذًا: حصل البيان بالترك، وَالتَّركُ فِعْلٌ فِي صَحِيحِ المَذْهَبِ.
يعني: سواءٌ فعَلَه ابتداءً، على قاعدته: أنه يدل على الوجوب إن كان من خصائصه أو الأمة لم تتبع .. على التفصيل السابق، أو دل دليلٌ على وجوبه -قولي-، ثم تركه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نقول: تركُه هذا يدل على عدم الوجوب.
{وَذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ قَيْلَ لَهُ: (( وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ ) )} أشهدوا هذا صيغة أمر.
(( إذَا تَبَايَعْتُمْ ) )والبيع هذا فعل وقول، فحينئذٍ نقول: إذا باع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يُشهد يعني: ترك الإشهاد في بعض المواضع، دل على أن قوله: أشهدوا ليس على الوجوب بل هو على الندب.
ثُمَّ إنَّهُ كَانَ يُبَايِعُ وَلا يُشْهِدُ، بِدَلِيلِ الْفَرَسِ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ الأَعْرَابِيِّ ثُمَّ أَنْكَرَ الْبَيْعَ, فَعُلِمَ أَنَّ الإِشْهَادَ فِي الْبَيْعِ غَيْرُ وَاجِبٍ.
وَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّرَاوِيحَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ تَرَكَهَا.