فهرس الكتاب

الصفحة 1244 من 1890

إذًا: لماذا تفرِّقون؟ نقول: الباء هناك للإلصاق وهي هنا للإلصاق، وحُمِل الوجه هنا على جميع الوجه؛ إذ بعض الوجه لا يسمى وجهًا حقيقة، كذلك يُحمل الرءوس -هناك الرأس- على كل الرأس .. جميعه؛ إذ بعض الرأس لا يسمى رأسًا.

{وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ عُرْفَ الاسْتِعْمَالِ الطَّارِئِ عَلَى الْوَضْعِ يَقْتَضِي إلْصَاقَ الْمَسْحِ بِبَعْضِ الرَّأْسِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَنْ وَافَقَهُ} .

هذا المذهب اعتمد أن الباء للتبعيض يعني: وامسحوا بعض رءوسكم، ومر معنا أن بعضهم أنكر أن الباء تأتي للتبعيض يعني: في اللغة.

وقال: من زعم بأن الباء تأتي للتبعيض فقد جنا على اللغة .. ونحو ذلك.

والصواب أنها تأتي للتبعيض، لكن نقول هنا: نجمع بين قوله تعالى: (( وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ) ) [المائدة:6] وبين فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ومن هنا ذكرنا القاعدة السابقة: أن مثل هذه النصوص لا يُنظر إليها بانفراد. يعني: لا تنظر في مسألة الرأس إلى قوله تعالى: (( وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ) ) [المائدة:6] ثم تجعل السنة وراء ظهرك لا، وإنما تضع (( وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ) ) [المائدة:6] كيف فهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه الآية، وكيف فعل؟ وما هو العمل المطرد، وهل نُقِل خلافه؟

حينئذٍ يتضح لك المقام، وأما هذه كلها أقاويل بشر. يعني: يؤخذ منها ويترك، وأما فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو الأصل والعمدة؛ لأن ما وقع من فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من وضوءه، أو صلاته، أو زكاته، أو حجه .. إلى آخره هو تفسيرٌ لهذه الآيات.

آية الوضوء أحسن من فسَّرها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا تنظر ماذا قال الناس فيه .. قال ابن كثير ورجَّح كذا إلى آخره، نستأنس بهذه الأقوال ولا شك، وليس في هذا التزهيد في النظر في كلام العلماء لا، نستنير بأقوال أهل العلم، لكن الخلل الذي يقع كثيرًا .. حتى عند كثير من أهل العلم من المتأخرين، أما السلف فهم سالمون من ذلك وهو: أنه يُنظر للنص دون باقي النصوص، وهذا خلل كبير جدًا، يترتب عليه مثل هذه المواضع.

وإلا لو قلت: (( وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ) ) [المائدة:6] أنظر إلى السنة وما نقل عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ممتثل لهذا النص أو لا؟ داخلٌ فيه أو لا؟ يشمله؟ القاعدة السابقة: يشمله، إذًا: عمِل أو لا؟ امتثل قطعًا، فتنظر إليه: ماذا فعل وماذا صنع فتفسره.

أما اللغة تقتضي وقال فلان والبعض، ومجاز، وكل .. وإلى آخره، هذه كلها تطرحها يسرة، فيكون فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هوالمقدَّم.

هذه قاعدة انتبهوا لها؛ فإنه يحصل فيه خلل كثير .. في مسألة الوضوء، الصيام .. وحتى في مسألة الإيمان، والإسلام، وشروط لا إله إلا الله .. لا يُوقَف مع نص ثم تُهجَر سائر النصوص، فحينئذٍ نقع في البدعة.

قال: (وَلَا فِي ) أراد أن يبيِّن أن بعض النصوص قد قيل فيها بالإجمال ولا إجمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت