حينئذٍ يكون من العام الذي أُريد به الخصوص، وليس من العام المخصوص، فانتبه لهذا ودعك من التقليد.
{فَمِثَالُ الضَّرُورِيِّ قَوْله تَعَالَى: (( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) )فَإِنَّ الْعَقْلَ قَاضٍ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ نَفْسَهُ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ} .
يعني: تخصيصهم بالعقل هنا لقيام الدليل الدال على خروج الذات والصفات.
{وَمِثَالُ النَّظَرِيِّ قَوْله تَعَالَى: (( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا ) )فَإِنَّ الْعَقْلَ بِنَظَرِهِ اقْتَضَى عَدَمَ دُخُولِ الطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ بِالتَّكْلِيفِ بِالْحَجِّ، لِعَدَمِ فَهْمِهِمَا} نقول: هذا مما أجمع عليه أهل العلم .. فهو إجماع.
حينئذٍ إخراج الطفل غير المستطيع. هذا إخراجٌ بالإجماع، والإجماع دليلٌ شرعي ويحصل به التخصيص، وإن كان المخصص في الحقيقة هو ما استند إليه الإجماع وليس هو الإجماع.
ولذلك سيأتي أنهم يختلفون في الإجماع هل هو بعينه المخصص أو ما استند إليه؟ الجمهور على أنه ما استند إليه، فإذا كان الإجماع الذي دل النص على اعتباره، وهو اتفاق طائفة إلى آخره، لم يتجرءوا أن يجعلوه بنفسه مخصصًا؛ لعدم المكافئة، فكيف بالعقل والحس؟ فمن بابٍ أولى وأحرى.
قال هنا: {فَإِنَّ الْعَقْلَ بِنَظَرِهِ اقْتَضَى عَدَمَ دُخُولِ الطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ بِالتَّكْلِيفِ بِالْحَجِّ، لِعَدَمِ فَهْمِهِمَا} نقول: لا ليس العقل، إنما هو الإجماع.
{بَلْ هُمَا مِنْ جُمْلَةِ الْغَافِلِينَ الَّذِينَ هُمْ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِخِطَابِ التَّكْلِيفِ} .
وهذا دل عليه الإجماع كما مر معنا في أول الكتاب.
{وَقَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: مَنَعَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ الأَفْرَادِ بِالْعَقْلِ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ، وَإِنَّمَا الْعَقْلُ اقْتَضَى عَدَمَ دُخُولِهِ فِي لَفْظِ الْعَامِّ, وَفَرَّقَ بَيْنَ عَدَمِ دُخُولِهِ فِي لَفْظِ الْعَامِّ، وَبَيْنَ خُرُوجِهِ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ، وَهَذَا نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي الرِّسَالَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَابِ مَا نَزَلَ مِنْ الْكِتَابِ عَامًّا يُرَادُ بِهِ الْعَامُّ: إنَّ مِنْ الْعَامِّ الَّذِي لَمْ يَدْخُلْه خُصُوصُهُ قَوْله تَعَالَى: (( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) )} .
يعني: الذي ذكرنا .. الكلام السابق هو قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: عامٌ لم يُخص. يعني: أُريد به الخصوص ابتداء.
ومثَّل بهذه الآية: (( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) )وقوله: { (( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ) )قَالَ: فَهَذَا عَامٌّ لا خَاصَّ فِيهِ} .
يعني: قوله: (( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) )عامٌ لا خاص فيه .. لم يُخص، وإنما أُريد ابتداء: عامٌ أريد به الخصوص.
إذًا: العقل -على هذا الكلام الذي ذكره الشافعي رحمه الله تعالى في الرسالة-: العقل ليس مخصِّصًا؛ لأنه لم يدخل حتى نحتاج إلى إخراجه، بل العقل دل على عدم دخوله، ولم يدخل ابتداءً ثم احتجنا إلى إخراجه بالعقل.