فهرس الكتاب

الصفحة 1141 من 1890

يعني: ليس الحس هو مخصِّص، وإنما لما وقعت بعض المسائل .. مثل ما ذكر (( تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ) )قالوا: الحس شاهَد أن السماوات موجودة، والأرضين موجودة، وكذلك الجبال والأنهار والبحار .. ما دمرت كل شيء، من قال لكم بأن الله عز وجل قال: دمّرت كل شيء حتى السماوات السبع؟ من قال بأن هذا اللفظ جمع جميع الأفراد التي يمكن أن يدركها الحس؟ هذا لم يكن مرادًا.

ولذلك يقال في مثل هذا: الأولى ألا يُجعل الحس مخصِّصًا مطلقًا .. أن يُسقط هذا النوع.

فنقول: حينئذٍ نحمل هذه الألفاظ بأن بعض الأفراد التي أدركها الحس بأنها موجودة هذه لم تدخل تحت اللفظ أصلًا، فحينئذٍ يكون من قبيل: (( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ ) ) [آل عمران:173] هذا مثله .. لا فرق بينهما، وإلا الباري جل وعلا يحكم بأنها دمّرت كل شيء ومنها السماوات والأرض، ونحن نحتاج إلى أن نخرج بعض الأفراد؟ نقول: لا. ليس الأمر كذلك.

إذًا: (الْحِسُّ) {نَحْوُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (( تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ) )، وقَوْله تَعَالَى: (( يُجْبَى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ) (( وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) (( مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ) )} .

فكل هذا من المجازات التي هي من إطلاق العام وإرادة الخاص، هذا هو الصحيح فيها، والحس ليس بمفوَّض من جهة الشرع بأن يخصِّص؛ لأن التخصيص حكمٌ شرعي، لا يُخرج بعض الأفراد إلا بدليلٍ شرعي، والحس لم يُجعل له ذلك البتة، فيُنتبه لهذا، وإن كثر عند الأصوليين.

قال: {وَالْمُرَادُ بِالْحِسِّ الْمُشَاهَدَةُ, وَنَحْنُ نُشَاهِدُ أَشْيَاءَ كَانَتْ حِينَ الرِّيحِ لَمْ تُدَمِّرْهَا وَلَمْ تَجْعَلْهَا كَالرَّمِيمِ، كَالْجِبَالِ وَنَحْوِهَا، وَنَعْلَمُ أَنَّ مَا فِي أَقْصَى الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَمْ تُجْبَ إلَيْهِ ثَمَرَاتُهُ، وَأَنَّ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً لَمْ تُؤْتَ مِنْهَا بِلْقِيسُ} لا السماوات ولا الأرض ولا ملك سليمان ولا غيره {فِي قَوْله تَعَالَى: (( وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) )} .

إذًا: الحس صار مخصِّصًا، لما أَدرك بأن هذه الأشياء موجودة وكان ظاهر النصوص السابقة الحكم بأنها معدومة حينئذٍ استثنيناها .. أخرجناها، نقول: لا. لم يُرد الباري جل وعلا أن اللفظ شاملٌ لكل ما أدركه الحس بأنه موجود، أو أنه لم يصل إلى الحرم ونحو ذلك.

قال: ثُمَّ هَاهُنَا بَحْثَانِ:

الأَوَّلُ: أَنَّ هَذِهِ الأَمْثِلَةَ لاَ تَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ بِالْحِسِّ.

يعني: أراد أن ينظر إلى النظرة الأُخرى.

{فَقَدْ يُدَّعَى أَنَّهَا مِنْ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ} وهو أصح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت