فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 321

(أَنَّ اللهَ خَلَقْنَا وَرَزَقَنَا) هذا فعل ثانٍ من أفعال الربِّ جل وعلا (خَلَقْنَا) بَيَّنَ الغاية والحكمة من خلق وإيجاد الإنس والجن وهو ماذا؟ العبادة، إذًا خلقنا لطاعته لعبادته لتحقيق التوحيد (وَرَزَقَنَا) النعم لنستعين بها على عبادته وطاعته، فالله جل وعلا هو الرازق، وهنا أيضًا كالجملة السابقة رزقنا (نا) الدالة على ماذا؟ على المكلفين لأن الحكم عام للإنس والجن. ودليل الرَّزق أنه مختص بالرب جلّ وعلا الكتاب والسنة، وكذلك الدليل العقلي، أما الكتاب فقوله جلّ وعلا {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 58] {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ} هذا فيه حصر أنه لا رازق إلا الله؛ لأن قوله {هُوَ} هذا ضمير فصل جيء به للتأكيد {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 5] أولئك مبتدأ، والمفلحون خبره، وهم هذا وقع بين المبتدأ والخبر لدلالته على التأكيد، وأن الخبر محصور في المبتدأ، كذلك {إِنَّ اللَّهَ} الله هذا اسم إنَّ، وهو ضمير فصل لا محل له من الإعراب {الرَّزَّاقُ} هذا خبر إنَّ، لماذا جيء بضمير الفصل؟ نقول: من باب التأكيد والحصر أنَّ هذه الصفة محصورة في الرب جل وعلا ومنفية عن غيره سبحانه {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ} [سبأ: 24] {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [يونس: 31] إلى آخر الآية. كذلك من السنة جاء في قوله صلى الله عليه وسلم في الجنين «يبعث إليه ملك فيؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد» . كذلك ثَمَّ دليل عقلي - وقد لا يحتاج للدليل العقلي هنا - أن الرب جل وعلا جعل قِوَام الإنس على الطعام والشراب، لا وجود للإنس إلا بهذا الغذاء، وهذا الغذاء قد دل دليل كما ذكره الشيخ هنا في سورة الواقعة أنه من خلق الله جل وعلا، فحينئذ خلق الرب الخلق ورزقهم الطعام والشراب الذي به قوام أبدانهم فلا حياة لهم إلا بالطعام والشراب وهو مخلوق لله عز وجل، فدل على اختصاص الرزق للرب سبحانه وتعالى، ورزقنا نقول: المراد به النعم وهذا في شأن المؤمنين لا إشكال فيه، ولكن ثَمَّ مسألة هل الرزق يختص بالحلال أم أنه يشمل الحرام؟ هل هو خاص بالحلال أم أنه يشمل الحرام؟ يعني إذا كان ثَمّ إنسان منذ أن نشأ إلى أن مات وهو لا يأكل إلا الربا والخنزير والميتة نقول: هذا مرزوق أم لا؟ إذا خصصنا الرزق بالحلال قلنا: هذا لم يرزق. وهذا فيه إشكال لأنه مخالف لقوله تعالى {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6] فكل دابة حيوان أو إنسان مسلم أم كافر كل ما ينتفع به في قوام بدنه وإقامة وصحة بدنه فهو داخل في هذه الآية {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا} دلت هذه الآية على عموم ما ينتفع به كل منتفع في قوامة بدنه بأنه رزق يلزم من هذا أن نقسم الرزق إلى نوعين:

والرزق ما ينفع من حلال ... أو ضده فحُل عن المحال

لأنه رزق كل خلق ... وليس مخلوق بغير رزق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت