فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 321

(أَنَّ اللهَ خَلَقْنَا) المراد به إفراد الله تعالى بالخلق، فيوصف الرب جل وعلا بها، ويعتقد المسلم أن الله تعالى منفرد بهذه الصفة وأن غيره مهما كان شأنه، ومهما علا قدره، لا يشارك الله تعالى في هذه الخصيصة وهذه الصفة، أن يتعقد أنه لا خالق إلا الله. المصنف هنا رحمه الله أثبت ولم ينف قال: (أَنَّ اللهَ خَلَقْنَا) ولم يقل: اعتقاد لا خالق إلا الله، لأنه كما سبق لم يقع نزاع في هذا حتى نحتاج إلى أن نثبت الصفة للرب جل وعلا ونفيها عما سواه، فالحصر لا يكون إلا بركنين: إثبات، ونفي لا إله إلا الله، أما مجرد الله خالقنا هذا لا يلزم منه نفي صفه الخلق عن غير الله تعالى، بل يلزم منه إثبات الصفة لله، ثم قد يشاركه غيره، وقد لا يشاركه غيره، ولذلك الجملة المثبتة التي لم تتضمن ركني الحصر لا تفيد الحصر، ولذلك جاء في قوله {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [البقرة: 163] ثم ماذا قال؟ {لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} لماذا أكد؟ لأن الجملة الأولى لا تدل على ما تدل عليه الجملة الثانية، لأن الجملة الثانية جمعت بين النفي والإثبات، وهذا دليل على الحصر، إذا قلت: ما عالم إلا زيد، يعني ليس عندنا عالم إلا زيد، فأثبتَ العلم لزيد ونفيتَه عما عداه. (أَنَّ اللهَ خَلَقْنَا) فيه إثبات صفة الخلق للرب جل وعلا، لكن ليس فيه نفي هذه الصفة عن غير الله سبحانه. وهل هذا مراد للمصنف؟ الجواب: لا، وإنما لم يأت بصيغة تدل على الإفراد لأنه لا نزاع في هذه الصفة {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106] يعني آمنوا بتوحيد الربوبية، والآية التي ذكرناها {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} حينئذٍ أثبتوا صفة الخلق فلم يكن ثم نزاع بين الرسل وأقوامهم. وأما قوله تعالى {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] هذا فيه إثبات صفة الخلق لله جل وعلا ونفيها عما عداه، لأنه قدَّم الخبر على المبتدأ، ألا حرف تنبيه، له هذا خبر، الخلق هذا مبتدأ مؤخر، فحينئذ قُدِّمَ ما حقه التأخير فأفاد الحصر وهو إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه، وهو أوضح من قول المصنف. كذلك قوله تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [فاطر: 3] {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} ؟ يعني لا خالق إلا الله لأن {هَلْ} هنا ليست للاستفهام وإنما المراد بها التحدي وهو النفي و {مِنْ خَالِقٍ} هذه من زائدة لصلة توكيد، و {خَالِقٍ} هذا مبتدأ، فدل على أن خالق وهو نكرة في سياق الاستفهام نقول: لا، لا يعم هنا، ولأن (هل) لا يقصد به الاستفهام وإنما أُشْرِبَ معنى التحدي فكأنه قال: لا خالق إلا الله، وأكَّده بـ (من) الدالة على زيادة النفي، فالتأكيد هنا لزيادة النفي لا في الإثبات، وهذه الآية تفيد اختصاص الخلق بالله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت