إذًا أن الله خلقنا، على ماذا يصدق قوله: (خَلَقْنَا) ؟ هل هو خاص ببني آدم؟ أم يشمل الجن؟ [ها] يشمل أو لا؟ إذًا نفسر قوله: (خَلَقْنَا) المراد به المكلفون، خلقنا نحن المكلفين ليشمل الإنس والجن، فيصدق (نا) وهو ضمير مبهم على المكلفين، والمكلفون يكونون من الإنس والجن. ولا نفسر (نا) بالبشر أو ببني آدم، لأننا لو فسرناه ببني آدم حينئذٍ اختص الحكم بالإنس دون الجن، وقد قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] .
(أَنَّ اللهَ خَلَقْنَا) هذا أول وأهم وأركز ركيزة في توحيد الربوبية وهو إفراد الله تعالى بالخلق.
(أَنَّ اللهَ خَلَقْنَا) أكد الجملة هنا لأن قد يقابل هذا بالنزاع عند بعضهم ولو مكابرة، لأنه لم ينكر أحد أن الله هو الخالق، وإن ادَّعى بعضهم مكابرة كفرعون {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات:24] ، وقال: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص:38] لكنه من باب المكابرة، وأما في قرارة نفسه فإنه يقر بذلك فقد أخبرنا العليم القدير بقوله: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14] إذًا من باب المكابرة والاستكبار.
(أَنَّ اللهَ خَلَقْنَا) الخلق هذا صفة كمال للرب جل وعلا، والمراد بها هنا أوجدنا بعدَ عَدَمٍ، (خَلَقْنَا) أي أوجدنا بعد عدم مسبوقٍ بتقدير، لأن الأصل في لغة العرب أن الخلق بمعنى التقدير، وهنا المراد به الإيجاد بعد عدم مسبوق بتقدير.
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ ... وَبَعْضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي
(وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ) يعني تنفذ ما قدرت، (وَبَعْضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي) يعني لا ينفذ، يعني يقدر في نفسه أشياء ولكنه لا يتمكن من تنفيذها. حينئذٍ نفسر الخلق هنا بمعنى أوجدنا، خلقنا أوجدنا بعد عدم مسبوق بتقدير، أما الخلق هكذا في لسان العرب فقد يطلق على من استطاع أن ينفذ ما قدره، وعلى من لم يستطع تنفيذ ما قدره.