ولذلك صار مقدمة له، لماذا؟ لأن من أثبت توحيد الربوبية على وجهه الصحيح حينئذ يستلزم توحيد الإلوهية، لأنه يثبت أوَّلًا أن لا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله، ولا مالك إلا الله، ولا مدبر إلا الله، ولا نافع ولا ضار إلا الله، ولا محيي ولا مميت إلا الله. حينئذ إذا أثبت هذا على وجهها الصحيح استلزم أن يكون الرب المنفرد بالخلق والرزق والتدبير هو المستحق للعبادة وحده دون ما سواه، ولذلك جاء مقرونًا له كالتعليل {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة:21] هذا توحيد يعني وحدُّوا ربَّكم الذي خلقكم، الذي خلقكم يعني لأنه خالقكم، فإذا كان هو الخالق، وهو المنفرد بالخلق، فحينئذ يلزم منكم أن تفردوه بالعبادة، لأن الذي خلق هو المستحق للعبادة والذي لم يخلق لا يستحق شيئًا من العبادة. إذًا توحيد الربوبية يستلزم توحيد الإلوهية، وتوحيد الإلوهية يتضمن توحيد الربوبية وهذا يأتي إن شاء الله شرحه بالأمثلة.
هنا ذكر المسألة (الأُوْلَى) نقول: هذه المسألة لم يقع فيها نزاع بين الرسل وأقوامهم، الكل ممن آمن بالرسل وممن خالف الرسل، يُقِرُّونَ بأنه لا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله، ولا محيي ولا مميت إلا الله، إذًا حصل الاتفاق في الجملة في هذا النوع إذًا لماذا قدَّمه المصنف هنا رحمه الله؟ نقول: قدَّمه لأنه تمهيد وطريق إلى إثبات توحيد الإلوهية، لأن توحيد الإلوهية هو إفراد الله تعالى بأفعال العباد صلاة، زكاة، صيام، دعاء، نذر، الذبح، إلى آخره استغاثة، استعانة، توكل، خشية، رغبة، رهبة، إنابة، إلى آخره هذه لا يستحقها إلا من كان متفردًا بالخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، إذًا صارت توحيد الربوبية كالتمهيد لتوحيد الإلوهية. ولذلك لم يحصل نزاع بين الرسل وأقوامهم في الخالق جل وعلا وأنه منفرد بهذا الصفة التي تُعدّ صفة كمال {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [الزخرف:9] العزيز الحميد هذا إثبات توحيد الأسماء والصفات. حينئذٍ لا خلاف في هذا النوع وإنما ذكره وقدمه المصنف هنا لا لكونه أهم من غيره، لأن الأصل في التقديم أن تبدأ بالأهم ثم يأتي المهم، نقول: هنا قدَّم توحيد الربوبية على الإلوهية لأنه أصل له ومقدمة له، فإن من أثبت توحيد الربوبية لازمه أن يثبت توحيد الإلوهية وإلا قد تناقض.
(الأُوْلَى أَنَّ اللهَ) يعني المعبود الخالق (خَلَقْنَا) ، (نا) الدالة على الجمع [نعم] لكن هنا في محل مفعول يعني في محل نصب، (خَلَقْنَا) وهذه جملة مؤلفة من ثلاث: خلق فعل ماضٍ، والفاعل مستتر تقديره هو أن الله فالخالق هو الله، نا هذه الدالة على المفعول في محل نصب.
للرفع والنصب وجر نا صلح ... كاعرف بنا فإننا نلنا المنح