(هَذِهِ المَسَائِلِ) إذًا ما المراد بالمسائل؟ إذا فُسِّرَ قوله: يَجِبُ. أعلى درجات الوجوب، وليس الوجوب الاصطلاحي الذي يقابل الركن والشرط، حينئذ نُفَسِّر المسائل هنا بالأصول، والقواعد، والمهمات في الدين، لأن ما سيذكره من توحيد الربوبية، وتوحيد الإلوهية، والولاء والبراء هذه أصل الدين، إذا كان توحيد الإلوهية هو المسألة الثانية هل هناك ما هو أعلى درجة في الوجوب من توحيد الإلوهية؟ الجواب: لا.
إذًا المسائل المراد بها الأصول والقواعد العامة التي هي أصل الإسلام وعليها المدار.
(وَالعَمَلُ بِهِنَّ) هذا الواجب الثاني. إذًا يجب أمران: التعلم والعمل بهن. (وَالعَمَلُ بِهِنَّ) أنَّثَ لأن مسائل مؤنثة وإن كان تأنيثًا مجازيًّا، (وَالعَمَلُ بِهِنَّ) أي بمدلول تلك المسائل، فيعتقد أوَّلًا، ويأخذ هذا الاعتقاد من كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ثم يعمل بهذا الاعتقاد، إما أن يكون عملًا قلبيًّا أو عملًا بالجوارح والأركان، فالواجب حينئذ يكون أمرين:
الأول: العلم بهذه المسائل. أشار إليه بقوله: (يَجِبُ تَعَلُّمُ) وتعلم هذا فاعل يجب، هذا الواجب الأول.
والثاني: العمل بهذه المسائل. يعني العمل بمدلول هذه المسائل، لماذا؟ لأنه لو وجب الأمر الأول دون الثاني لوجد الأصل دون ثمرته، وسبق معنا أن العمل ثمرة العلم. (هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل) .
فكل علم لا يعمل به صاحبه فهو حجة عليه ووبال عليه، إذًا لا فائدة من وجوب العلم، بل لا يوصف العلم بكونه نافعًا ولو كان علم شريعة لا يوصف العلم بكونه نافعًا إلا إذا أثمر العمل؛ وإلا قد يكون حافظًا لكتاب الله، عالما بتفسيره، وبالسنة النبوية حافظًا لها عَالِمًا بمدلولاتها، لكنه لا يعمل بها. ولذلك ذكرنا قول الفضيل: (لا يزال العالم جاهلًا حتى يعمل بعلمه فإذا عمل به صار عالِمًا) . (لا يزال العالم جاهلًا) جمع بين النقيضين علم ضده الجهل، والجهل ضده العلم، هذا إدراك، وذاك عدم إدراك، فوصف العالم بكونه جاهلًا - الله أكبر - لماذا؟ لكون هذا العلم لم يُثمر فائدته الحقيقية، وهي العمل فوصف بكونه جاهلًا، لماذا؟ لأن الجاهل والعالم الذي لا يعمل في طبقة واحدة، في درجة واحدة، فحينئذ لا فائدة لهذا العلم. (لا يزال العالم جاهلًا حتى يعمل بعلمه فإذا عمل به صار عالِمًا) .
(الأُوْلَى) من هذه المسائل الثلاث، وهذه الأولى تعتبر مقدمة للمسألة الثانية، لأنه ذكر في الأولى توحيد الربوبية، وفي توحيد الإلوهية في المسألة الثانية. ومعلوم أن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
-توحيد الربوبية.
-وتوحيد الإلوهية، ويسمّى الإلهية ويسمّى توحيد العبادة.
-وتوحيد الأسماء والصفات.
توحيد الربوبية هو إفراد الله بأفعاله، أفعاله هو، وتوحيد الإلوهية، إفراد الله بأفعال العباد، وتوحيد الأسماء والصفات، إفراد الله تعالى بما اختص به من أسماء وصفات.
توحيد الربوبية عند أهل العلم يستلزم توحيد الإلوهية،