فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 321

إذًا قوله: (تَعَلُّمُ) المراد به اعتقاد معاني هذه المسائل الثلاث، وهذا الاعتقاد وهذه المعاني مرجعها إلى الشرع، كما أن إثبات الألفاظ الشرعية مرجعها إلى الشرع فتثبت اللفظ من جهة الشرع وتثبت المعنى الذي دل عليه الشرع لذلك اللفظ. وتنبه لهذه القضية فإنها مهمة جدًا ويقع الخلط فيها. فقد يُثبت الإيمان {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} ثم يفسر الإيمان بغير ما فسره الشرع، قد يثبت القضاء والقدر ثم يفسر القضاء والقدر بما يوحيه إليه شيطانه وعقله، ولا يرجع إلى الشرع، قد يُثبت لفظ الملائكة ثم يقول: هى أرواح المسلمين أو المؤمنين ونحو ذلك، فيثبت اللفظ ولم يرجع إلى الشرع في المعنى. فالحقيقة الشرعية هي لفظ ومعنى، اللفظ والمعنى مردهما إلى الشرع، ولذلك ينص الإمام هنا على المعنى والعمل، لذلك قال: (تَعَلُّمُ ثَلاَثِ هذه المَسَاِئلَ وَالعَمَلُ بِهِنَّ) لماذا؟ لأنه قد يعمل بما لا يدل عليه الشرع ظانًّا أن هذا المعنى قد دل عليه الشرع وليس الأمر كذلك.

(على كل مسلم ومسلمة تعلم - وهو المعرفة -(ثَلاَثِ هَذِهِ المَسَائِلِ) في بعض النسخ: [تعلم هذه المسائل الثلاث] ، ولا إشكال فيها. (ثَلاَثِ) هل له مفهوم؟ يعني لا اثنتين ولا أربعة؟ نقول: لا، لا مفهوم لها، لماذا؟ لأنه قد ذَكَرَ أن ثَمَّ أمورًا ومسائل أربع تجب على كل مسلم ومسلمة: العلم، والعمل به، والدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه. هذه واجبة كوجوب هذه المسائل الثلاث، فحينئذ اشتركت مع هذه المسائل في الوجوب من حيث التعلم ومن حيث العمل. فحينئذ دلّ هذا على أن المسائل والأصول الواجبات المتحتمات على كل مسلم ومسلمة ليست محصورة في ثلاث، ولا في أربع، بل هي أكثر وأكثر حينئذ قوله: (ثَلاَثِ) لا مفهوم له.

(تَعَلُّمُ ثَلاَثِ) هذه المسائل، المسائل جمع مسألة، وهي ما يُبرهن عنه في العلم، يعني ما يُسأل عنه في العلم ويُذكر له برهانٌ ودليلٌ من قول الله جل وعلا أو قول رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

ولا شك أن هذه المسائل أمور معنوية معقولة وليست بمحسوسة، وهذه هذا اسم إشارة، والأصل في وضع اسم الإشارة أن يكون لأمر محسوس، ولكن لما كان الواجب هنا متعيِّنًا، وكان المقصود أن هذه المسائل الثلاث تكون واضحة بينة شبَّهها بالأمر المحسوس، فكأنه شيء محسوس يُشار إليه بما وُضِعَ للإشارة الحسية، فالمراد هنا أن يميز هذه المسائل عن غيرها أتمَّ تمييز، بحيث إن الناظر فيها يُدركها علمًا وعملًا كأنه يدرك المحسوس، ولذلك أشار إليه بهذه كما يقول المصنفون في أوائل الكتب أما بعد فهذا مختصر، والمختصر إنما يكون في الذهن، ولكن جعله في مقام المحسوس، لأنه لَمَّا برز وتَمَّ في ذهنه وصار متميّزًا عن غيره نزَّله منزلة المحسوس. ولذلك يقال: عمل المعقول أو نزّل المعقول منزلة المحسوس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت