فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 321

عَلَى اعْتِقَادِ ذِي السَّدَادِ الحَنْبَلِي ... إِمَامِ أَهْلِ الحَقِّ ذِي القَدْرِ العَلِي

تعلم أنه ليس المراد استقلالًا، وإنما لكونه عالمًا وإمامًا وهو محلٌّ للاقتداء، حينئذٍ نُسب إليه الاعتقاد نسبة واسطة لا نسبة استقلال.

قال الشافعي رحمه الله تعالى: (لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إِلَّا هَذِهِ السُّوْرَةَ لَكَفَتْهُمْ) سورة العصر ثلاث آيات، يقول الشافعي وهو إمام لغويٌّ، وأول من وضع فن أصول الفقه

أَوَّلُ مَنْ أَلَّفَهُ فِي الكُتُبِ ... مُحَمَّدُ بْنُ شَافِعِ المُطَّلِبي

أَوَّلُ مَنْ أَلَّفَهُ يعني أصول الفقه فِي الكُتُبِ مُحَمَّدُ بْنُ شَافِعِ المُطَّلِبي.

(لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ) لو لم ينزل، ما نافية هذه، لولم ينزل الله عز وجل (حُجَّةً) يعني شيء يُحتج به على الخلق وبرهانًا ودليلًا على أنه أقام الحجة على الخلق. (عَلَى خَلْقِهِ) يعني الإنس والجن، هذا شامل للإنس والجن لأنهم مكلفون {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} إذًا على خلقه المراد به الجن والإنس، لو ما أنزل الله حجة وبرهانًا ودليلًا على خلقه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إِلَّا هَذِهِ السُّوْرَةَ) مع اختصارها وشمولها أو اشتمالها على ثلاث آيات مختصرات (لَكَفَتْهُمْ) لصارت كافية. وبقية القرآن، ليس مراد الشافعي - رحمه الله - جميع الشريعة أصولًا وفروعًا، وإنما مَن أراد الله هدايته، وأراد سبيل الرشاد والهدى، استدل بهذه السورة القصيرة مع وجازتها وقصرها، استدل على أن طريق النجاة الذي رسمه الله عزَّ وجلَّ لهذه الأمة محصور فيمن اتصف بهذه الصفات الأربعة. وحينئذٍ بعدها يسأل عن أوصاف الإيمان، وعن أفراد الإيمان، وعن أفراد الأعمال الصالحة ونحو ذلك.

لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ - يعني مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِلَّا هَذِهِ السُّوْرَةَ لَكَفَتْهُمْ لجمعها الخير بحذافيره، جمعت كل شيء، وتضمنت جميع مراتب الكمال الإنساني. وهذا القول ذكره ابن كثير رحمه الله بغير هذه الصيغة: (لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم) .

يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: (مراده أن هذه السورة كافية للخلق - مجزئة للخلق - في الحث على التمسك بدين الله، بالإيمان، والعمل الصالح، والدعوة إلى الله، والصبر على ذلك. وليس مراده رحمه الله أن هذه السورة كافية للخلق في جميع الشريعة. كيف نعرف الصلاة وكيفية الصلاة والحج والصيام ليس مراد الشافعي هذا المراد. وقوله:(لَوْ مَا أَنْزَلَ .. إلى آخره، لأن العاقل البصير إذا سمع هذه السورة أو قرأها فلا بد أن يسعى إلى تخليص نفسه من الخسران، وذلك باتصافه بهذه الصفات الأربعة: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، التواصي بالصبر) .

إذًا الطريق العام لمن أراد النجاة في الدنيا أو الآخرة، فليجتهد أن يكون من أصحاب هذه الأوصاف الأربعة، ثم بعد ذلك يدخل في تفاصيل العلم النافع، والعمل الصالح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت