فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 321

وأما بين العمل والدعوة {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} هل ثَمَّ تلازم بين العمل والدعوة؟ ليس بينهما تلازم، يعني يمكن أن يعمل ولا يدعو، يتصف بصفة الإيمان ويعمل ولا يدعو، يصح منه الإيمان، ويصح منه العمل الصالح، ويكون عنده نوع تقصير في التواصي بالحق. أليس كذلك؟ أما الإيمان والعمل فلا وجود لأحدهما من دون الآخر، وأما التواصي بالحق فحينئذٍ يمكن أن ينفك عن الوصفين السابقين.

إذًا بين العمل والدعوة نقول: لا تلازم، فيدعو ولو لم يعمل، ويتعلم ولو لم يدعو، لا يقول: أنا لا أتعلم إلا الذي سأدعو إليه، إذا عرفت أني لن أدعو قد يكون ممنوعًا في بعض المناطق حينئذٍ نقول: إذًا لا تتعلم؟! لأنك لن تتمكن من الدعوة؟ لا، تتعلم، ولا تلازم بين تلك.

{وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام عن هذه السورة في (( مفتاح دار السعادة ) )تكلم بهذه المسألة: (جهاد النفس أربع مراتب - النفس تحتاج إلى الجهاد قبل جهاد العدو، ولذلك قال هو وغيره: من لم يجاهد نفسه لن يقدر على جهاد العدو أبدًا، فاشل، لا يمكن، لا بد أن يجاهد نفسه بالإيمان كما سيذكره. قال رحمه الله: (جهاد النفس أربع مراتب:

إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى، ودين الحق الذي لا فلاح لها، ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به. العلم النافع يحتاج إلى جهاد، طلب العلم - يا طلاب العلم - يحتاج إلى جهاد، لو كان العلم يجلس الطالب في المجلس أو يسمع شريطًا وانتهى الأمر لصار الناس كلهم علماء، لا يوجد عامي، مجرد يسمع شريط شرح الزاد انتهى، صار عالمًا؟ لا، لا بد أن يحفظ، ولابد أن يذاكر، ولا بد أن يسعى، ولا بد أن يجرد، ولا بد أن يُراجع، وتنسى المسألة وتراجعها، وتُشكل عليك مسألة وتسهر الليالي في طلبها ونحو ذلك، إذًا لا بد من جهاد. أما الذي لا يقوى على أن يجاهد نفسه بطلب العلم فلن يصل أبدًا، لا بد أن يضع أساسًا أمامه أن العلم جهاد والنفس أمارة بالسوء، وطلب العلم قد لا يوافق النفس، حينئذٍ لا بد من المعاندة والمعارضة فيحتاج إلى أن يجاهد نفسه، وأن يحبس نفسه، ويصبِّر نفسه.

الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه. لأن العمل قد يوافق الهوى، وقد لا يوافق الهوى، فإذا حصلت المخالفة حينئذٍ جاءت المعاندة والمعارضة من النفس فيحتاج أن يجاهد نفسه على الصيام، ويجاهد نفسه على القيام، ويجاهد نفسه على حفظ القرآن، وتلاوة القرآن ونحو ذلك.

الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمه من لا يعلمه. التعليم يحتاج إلى جهاد. أي نعم يحتاج إلى جهاد.

الرابعة: أن يجاهدها علي الصبر على مشاق الدعوة إلى الله، وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله.

فإذا استكمل هذه المراتب الأربعة صار من الربانيين، وهذا هو مدلول سورة العصر. ولذلك الجمهور على أنها مكية، يعني بيان طريق النجاة حصل في مكة قبل المدينة لأن هذه طرق عامة كما سيأتي في قول الشافعي رحمه الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت