إذًا نقول: {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} هذا عطف على ما سبق.
{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} قال الطبري رحمه الله في قوله: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} يقول: إلا الذين صدَّقوا الله، ووحدوه، وأقروا له بالطاعة، وعملوا الصالحات، وأدوا ما لزمهم من فرائضه، واجتنبوا ما نهاهم عنه من معاصيه. (فعلوا ما أُمروا به وتركوا ما نُهوا عنه) ، وهنا عَبَّرَ بـ (صدَّقوا ووحَّدوا وأقرُّوا له بالطاعة وعملوا الصالحات) . فدل على أن هذا كله داخل في مسمى الإيمان، ولذلك الإيمان بضع وسبعون شعبة، إذًا هو شُعَب، حينئذٍ لا بد أن يكون العمل داخلًا في مسمى الإيمان.
هذا دليل على المسألة الثانية (العمل به) {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} اتصفوا بصفة الإيمان، هذا دليل على إثبات المسألة الأولى {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} دليل على إثبات المسألة الثانية، العمل به وهو واجب.
{وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} تواصوا يعني أَوْصَى بعضهم بعضًا، كل واحد منهم مُوصٍ ومُوصَى. تقول: تَضَارَبَ القوم، ما الذي تفهمه؟ تَضَارَبَ القوم، كل واحد منهم ضارب ومضروب. تقاتل القوم، كل واحد منهم يُقاتِل وهو يُقاتَل، إذًا كلٌّ منهما صيغة تفاعل تدل على المشاركة بين الفاعِلِين أو الفاعِلَيْنِ. تَضَارَبَ زَيدٌ وعمرو عندنا فاعلان، تضارب القوم فاعلون كُثُر في المعنى ليس في الاصطلاح في المعنى كُثُر. تَقَاتَلَ القوم كل واحد منهم قَاتَلَ الآخر. {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} كل واحد منهم أوصى الآخر. إذًا كما أن ذلك ضارب ومضروب هو في نفسه، كذلك هنا هو موصٍ غيرَه وهو مُوصَى. {بِالْحَقِّ} قال بعضهم: بالقرآن، وقال بعضهم: بالتوحيد، وقال بعضهم: بإتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وأيهم أرجح؟
الآن أعطيناكم قاعدة، {وَالْعَصْرِ} الحق إتباع الرسول بل اتبع القرآن تواصى بالقرآن تواصى بالرسول، ومن تواصى بالرسول - صلى الله عليه وسلم - تواصى بالقرآن، أليس كذلك؟ لا فرق بينها. {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} قيل: الإسلام، وقيل الرسول ع، وقيل الإيمان، وقيل .. وقيل، وكلها تصب في معين واحد.
حينئذٍ نقول: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} يعني تواصوا بكل ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الإيمان والعمل الصالح، ولذلك الحق هذا الأصل أنه اسم من أسماء الله جل وعلا: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} [الحج:62] .
{وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} هل التواصي بالحق خارج عن العمل الصالح أم داخل فيه؟
داخل فيه. إذًا من باب عطف الخاص على العام. لماذا خصه؟ لشرفه، ولمزيد الاهتمام به، لأنه إذا قال: {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} قد لا يتبادر إلى الذهن التواصي بالحق، لكن عندما يقال: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} دل على أنه من العمل الصالح، لكن لا بد من مزيد عناية ولا بد من مزيد اهتمام. {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} نص عليه لأهميته في حصول النجاة.
{وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} ، {- وَتَوَاصَوْا} أيضًا أوصى بعضهم بعضًا بالصبر. (أل) دخلت على المفرد، والصبر سبق أنه المنع والحبس في لسان العرب. وأنواعه ثلاثة:
-صبر على طاعة الله.