{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الأعمال الصالحة هذه قد تكون معتقدات، قد تكون عبادات، قد تكون متعلقة بحق الله، وقد تكون متعلقة بحق الخلق، قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة. كل عمل صالح ظاهرًا أو باطنًا فهو داخل في هذه الآية. أليس كذلك؟ {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} فهو داخل في هذه الآية. وهنا أخر العمل عن العلم، وعطف العمل على الإيمان، مسألتان، أخر العمل عن العلم، وعطف العمل على الإيمان، أخر العمل عن العلم لأن العمل ثمرة للعلم. فالعلم أساس والعمل كالبنيان، إن لم يكن علم سقط العمل، إن لم يكن علم فلا عمل، لا يوصف بكونه صالحًا. ... «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» . لمَِ؟ «ليس عليه أمرنا فهو رد» . يعني ليس عليه ديننا لا بد من أن يُعلم أن هذا العمل مأخوذ من الدين أو لا أوَّلًا، فإن أخذ من الدين - من الوحي - فحينئذٍ نقول: هذا عمل صالح. وإن لم يكن كذلك فهو رد.
وعطف العمل على الإيمان مع كون الإيمان (قولٌ وعمل) للدلالة على أنه مهم، وأنه في الحكم كالأول بمعنى أن انتفاء العمل الصالح كله كانتفاء الإيمان كله، لو لم يأت بأصل الإيمان، - ما بعد إلا أو ما قبل إلا - رجع إلى ما قبل إلا، لو انتفى الإيمان كله، أصل الإيمان صار كافرًا. عطف العمل الصالح ليدل على أنه كالأول في الحكم، بمعنى أن انتفاء العمل الصالح كله يستلزم منه انتفاء الإيمان. وهذا على عقيدة أهل السنة والجماعة أن جنس العمل داخل في مسمى الإيمان، ثلاثة أركان: اشتغال بالقلب، قول باللسان، عمل بالجوارح والأركان. ثلاثة أركان.
هل يمكن أن يوجد الإيمان بواحدٍ منها دون الآخَرَيْنِ؟
الجواب: لا. باثنين دون الثالث، الجواب: لا. لا بد من استيفاء الثلاثة الأركان، لو انتفى الاعتقاد اعتقاد القلب، ووجد قول اللسان، وعمل الجوارح والأركان ما أفاده شيء. هذا النفاق الاعتقادي.
{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} علموا وعملوا، لأن الإيمان مشتمل على العلم والعمل، والعمل ركن من أركان الإيمان. إذًا عطف العمل الصالح على الإيمان من عطف الخاص على العام. وهذا جائز في لسان العرب وهو كثير حتى في القرآن.
وَذِكْرُ خَاصٍ بَعْدَ ذِي عُمُومِ ... مُنَبِّهًا بِفَضْلِهِ ... المَحْتُومِ
كَعَطْفِ جِبْرِيْلَ وَمِيْكَالَ عَلَى ... مَلائِكٍ قُلْتُ وَعَكْسُهُ جَلاَ
{مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة:98] قال: {وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} ، من الملائكة، هذا يقال فيه بأنه عطف الخاص على العام.
هنا كذلك عطف الخاص على العام للدلالة على شرف العمل، وعلى أهميته، وعلى أنه ركن في الإيمان، لأنه في الحكم مثل الأول بمعنى أنه إذا انتفى العمل الصالح كله انتفى الإيمان. على القاعدة وعلى الأصل عند أهل السنة والجماعة أن: (جنس العمل ركنٌ في الإيمان وليس شرطًا) . لأن الشرط خارج عن الماهية.
فإذا قلت: بأن جنس العمل شرطٌ، حينئذ حكمت بأن جنس العمل ليس من الإيمان، بل هو كالطهارة بالنسبة للصلاة. ففرق بين أن يقال: الفاتحة ركن في الصلاة، وبأن يقال إنها شرطٌ.