القول الثاني: الجواز، قال في مختصر التحرير: (وأجازه - يعني التقليد في أصول الدين - جَمْعٌ) . قال ابن مفلح: (وأجازه بعض الشافعية لإجماع السلف على قبول الشهادتين من غير أن يقال لقائلهما: هل نظرت؟) لا يقال: هل نظرت أولًا؟ إذًا إجماع السلف على قبول من أتى الشهادتين دون أن يُسأل، كذلك هنا قال: قال أبو حامد الغزالي: (والحق الصريح أن كل من اعتقد أن كل ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - واشتمل عليه القرآن حقٌ اعتقادًا جازمًا فهو مؤمن وإن لم يعرف أدلته) . هذا حُكِيَ عليه الإجماع، يقول: أن كل من اعتقد أن كل ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، اعتقد في قلبه أن كل ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - واشتمل عليه القرآن حقٌ، اعتقد أنه حق ثم جزم بهذه العقيدة حينئذٍ فهو مؤمن حقًّا وإن لم يعرف أدلتهم، لماذا؟ لأنه قد يجزم دون وقوف على دليل، قد يقطع بأن التوحيد ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وهو كذا، توحيد الإلوهية وهو كذا، وتوحيد الأسماء والصفات وهو كذا، وإن لم يسمع دليلًا إنما وَثِقَ في عالم فسأله فأفتاه. قال العنبري وغيره: (يجوز التقليد في أصول الدين ولا يجب النظر اكتفاءً بالعقد الجازم لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يكتفي في الإيمان من الأعراب وليسوا أهلًا للنظر بالتلفظ بكلمتي الشهادة المنبئ عن العقد الجازم، ويُقاس غير الإيمان من أصول الدين عليه) . النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأتيه الأعراب، بعضهم لا يفهم لأن سياق الدليل دون نظر في المدلول في الاستدلال به هذا لا يكفي، لا بد أن يسمع الدليل ويفهم وجه الاستدلال من الدليل، والأعراب ليسوا كلهم على مرتبة واحدة في الفهم، قد يفهم بعضهم وقد لا يفهم آخرون، حينئذٍ من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يُلقن الأعراب الشهادتين دون أن يوقفهم على وجه الاستدلال ونحو ذلك.
قال ابن حمدان: (لا يُشترط أن يجزم عن دليل) . يعني بل يكفي الجزم ولو عن تقليد، والصحابة رضي الله تعالى عنهم فتحوا أكثر بلاد العجم وقبلوا إيمان عوامهم كأجلاف العرب ولم يأمروا واحدًا منهم بترديد نظر ولا سألوه عن دليل تصديقه). لأنه قد يقال: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو دليل، فإذا قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - قل: لا إله إلا الله وأني رسول الله، حينئذٍ أخذه عن دليل. فيمكن أن يورد على هذا الدليل الاعتراض، وهو ما ذكرناه، ولكن فعل الصحابة وإجماع الصحابة على أنهم كانوا إذا افتتحوا بعض البلاد ودخل أولئك القوم في الدين، ولقنوهم الشهادتين دون أن يوقفوهم على دليل، دل على ماذا؟ على جواز التقليد في باب التوحيد والإيمان، وهذا يعتبر إجماعًا من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فكان ما أطلقوا عليه دليلًا على إيمان المقلد (يعنى على صحة إيمان المقلد) .
قال النووي رحمه الله: (الآتي بالشهادتين مؤمن حقًّا وإن كان مقلدًا على مذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف، بل هو إجماع لأنه - صلى الله عليه وسلم - اكتفى بالتصديق بما جاء به ولم يشترط المعرفة بالدليل، وقد تظاهرت بهذا الأحاديث الصحاح يحصل بمجموعها التواتر والعلم القطعي) .