المسألة هي: اتفاق الطائفتين على أنه لا بد من الجزم، لا بد أن يكون جازمًا في الإيمان بالله، والإيمان بالرسول - صلى الله عليه وسلم - لا بد أن يكون مجزومًا به وهذا محل اتفاق ولا اختلاف فيه، ولذلك جاء: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات:15] ، {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة:2] ، {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ} [آل عمران:9] لا بد من نفي الريب وهو الشك ليثبت الجزم وهو اليقين.
هل الجزم متوقف على اليقين أم قد يكون عن الظن؟ هذا محل النزاع. هل الجزم لا يكون إلا عن يقين ودليل قطعي أم قد يكون الجزم عن دليل ظني؟ هنا قال: والتقليد لا يفيد إلا الظن. قال ابن حمدان - وهو من الحنابلة: كل ما يطلب فيه الجزم يمتنع التقليد فيه والأخذ فيه بالظن. هذا ممتنع لأنه لا يفيده - التقليد - لا يفيد القطع وإنما يفيد الظن، والظن لا يفيد في ماذا؟ في باب المعتقد.
القول الثاني: الجواز، أنه يجوز أخذ الإيمان تقليدًا.
الأول قلنا بالتحريم، وإذا قالوا بالتحريم حينئذٍ من آمن تقليدًا ولم يثبت عنده الإيمان بالأدلة ما حكمه؟ يقولون: في الدنيا تجري عليه الأحكام الظاهرة من التوارث ونحو ذلك، وأما في الآخرة فأمره إلى الله، قد يكون كافرًا وقد لا يكون مؤمنًا، لماذا؟ لأنه لم يأت بالإيمان الشرعي. فالإيمان الشرعي لابد أن يكون منبثقًا عن دليل شرعي، وهذا لم يأت بدليل شرعي، وإنما قَلَّدَ فيه غير معصوم لأنه استفتى عالمًا فأجابه ولم يستفت النبي - صلى الله عليه وسلم -، استفتى غير معصوم حينئذٍ لا يقال بالقطع.