إذًا (مَعْرِفَةُ دِيْنِ الإِسْلاَمِ) أي ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، فهنا المراد به الإسلام الخاص، بعد بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - فيختص بما بعث به محمد - صلى الله عليه وسلم -، لأن ما بعث به النبي عليه الصلاة والسلام نسخ جميع الأديان السابقة، فصار من اتبعه مسلمًا، ومن خالفه ليس بمسلم، فأتباع الرسل مسلمون في زمن رسلهم، أتباع موسى عليه السلام مسلمون في زمن موسى عليه السلام، ثم بعد بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - ليسوا بمسلمين بل هم كفار، واليهود مسلمون في زمن موسى عليه الصلاة والسلام، والنصارى مسلمون في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام، وأما حين بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - كفروا به فليسوا بمسلمين.
وهذا الدين الإسلامي هو الدين المقبول عند الله النافع لصاحبه، قال الله عز وجل: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} [آل عمران:19] . وقال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:85] وهذا الإسلام هو الإسلام الذى امتن الله به على محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمته، قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا} [المائدة:3] أي الإسلام الخاص دينًا تدينون به ربَّكم جل وعلا.
(وَمَعْرِفَةُ دِيْنِ الإِسْلاَمِ) هذا هو الأصل الثالث في مفهوم العلم الشرعي الذي يجب على كل فرد فردٍ من المكلفين علمه به، ولا يُعذر أحد بجهله البتة.
قال: (بِالأَدِلَّةِ) والأدلة جمع دليل، فَعِيل بمعنى فاعل، والدلالة المراد بها الإرشاد، والدلالة الإرشاد، إذًا فَعِيل بمعنى فاعل من الدلالة وهي الإرشاد، والمراد به بالدليل هنا في الاصطلاح عندهم: ما يُرشد إلى المطلوب فكل ما أرشد غيره إلى مطلوب له فحينئذٍ يُسمى دليلًا، فإذا قلت: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [البقرة:43] ، نقول: هذا دل على ماذا؟ على وجوب الصلاة، إذًا وجوب الصلاة لا بد له من شيء أرشد إليه، ما الذي أرشد إليه؟ قوله جل وعلا: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [البقرة:43] لأنه أمر والأمر يقتضي الوجوب، حينئذٍ فالصلاة واجبة، فنقول: قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [البقرة:43] أرشد إلى المطلوب وهو وجوب الصلاة. {لا تَأْكُلُوا الرِّبا} [آل عمران:130] هذا نهي، والنهي الأصل فيه أنه للتحريم، حينئذٍ نقول: الربا محرم، ما الذي أرشد إلى هذا المطلوب أن الربا محرم؟ قوله تعالى: {لا تَأْكُلُوا الرِّبا} [آل عمران:130] . وكل ما أرشد إلى المطلوب فهو دليل.