فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 321

لكن يُشترط في هذه المعرفة - لأن المعرفة هذه قد تكون معرفة فطرية والمراد هنا في العلم الشرعي - أن تكون المعرفة شرعية لا فطرية، لأنه قد يعرف ربه ولكن لا يتحقق الوصف الذي جعله قيدًا في معرفة الربِّ جل وعلا، ضابط المعرفة الشرعية أن تستلزم قبول ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - من جهة المشرِّع وهو الله عز وجل. إذًا هذه المعرفة إن أثمرت قبول الشريعة، والتحاكم والحكم إلى الشريعة، والإيمان بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وبكلِّ ما جاء من عند الله جل وعلا، حينئذٍ نقول: هذه معرفة شرعية، لماذا؟ لأنه وُجِدَ ثمرتها، وهي قبول الشرع، والحكم بالشرع، والتحاكم إلى الشرع، إن لم تثمر [فهذه] فحينئذٍ نقول: وجودها وعدمها سواء لماذا؟، لأن إبليس يعرف ربه قال: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف:12] أثبت أنه خالق، بل وأقسم به: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [صّ:82] فهو يعرف ربه أليس كذلك، بل فرعون يعرف ربه الذي قال: {رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات:24] ، {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص:38] يعرف ربه أو لا؟ نقول: يعرف {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل:14] فحينئذٍ نقول: هؤلاء يعرفون ربهم، والكفار يعرفون ربهم أنه الخالق، الرازق، المحيي، المميت، المدبر، المصرف، ولكن هذه المعرفة لم تثمر قبول ما جاء من عند الله جل وعلا، فحينئذٍ نقول: هذه المعرفة وجودها وعدمها سواء. لذلك قيدها الشيخ رحمه الله قال: أي معرفة الله عز وجل بالقلب - لأنه محل العلم - معرفة تستلزم قبول ما شرعه، والإذعان، والانقياد له، وتحكيم شريعته التي جاء بها رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -. إن لم تستلزم ذلك فلا عبرة بها، لأنها موجودة عند إبليس، وعند فرعون، وعند الكفار أجمعين.

ويتعرف العبد على ربه بالنظر في الآيات الشرعية في كتاب الله جل وعلا، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، والنظر في الآيات الكونية التي هي المخلوقات، فإن الإنسان كلما نظر في تلك الآيات ازداد علمًا بخالقه ومعبوده، قال الله عز وجل: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 20 - 21] هذا هو الركن الأول من العلم الذي عناه المصنف رحمه الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت