بقوله: (يَجِبُ عَلَيْنَا) أخرج المستحبات من الأربعة المسائل، لَمَّا قال: (يَجِبُ عَلَيْنَا) يعني على كل فردٍ فرد، دَلَّ على أن مراده بهذه المسائل الأربع الواجبات، فيتعين أن يكون المسألة الأولى العلم الواجب العينيّ، والعمل به أي العمل الواجب لا المستحب، لأن العمل بالمستحب بالعلم الذي هو مستحب ليس بواجب، إذا علمتَ أنَّ السنة بعد المغرب ركعتان، فحينئذٍ يجب عليك أن تصلي ركعتين؟ أنت تعلم أنها مستحبة، يجب عليك العمل بهذا العلم؟ لا يجب، إذًا العمل بالمستحب مستحب، والعمل بالواجب واجب، كذلك الدعوة إلى العلم الشرعي الواجب واجبة، لا، لا تسقط عن أحد، والدعوة إلى العلم المستحب تكون مستحبة. كذلك الصبر ينقسم إلى قسمين: واجب، ومستحب.
إذًا مراده رحمه الله تعالى بهذه المسائل الأربعة أنواع الواجب منها فحسب، وإن كان كثير من الشراح يعممون المسائل، لا، لذلك قال: (يَجِبُ عَلَيْنَا) ، إذًا العلم المراد به هو العلم العينيّ الذي هو فرض على كل أحد وكل فرد من أفراد المكلفين، ما هو؟
قال: (وَهُوَ مَعْرِفَةُ اللهِ وَمَعْرِفَةُ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمَعْرِفَةُ دِيْنِ الإِسْلاَمِ بِالأَدِلَّةِ) هذه ثلاثة أركان هي أركان العلم العيني الذي قصده المصنف رحمه الله تعالى.
قال: العلم هو مَعْرِفَةُ، عرَّف العلم بالمعرفة، وهل العلم مرادف للمعرفة؟ أم أنهما متغايران؟ هذا محل نزاع عند أهل العلم، أكثر أهل العلم - والمسألة لغوية - أن العلم بمعنى المعرفة، والمعرفة بمعنى العلم فهما مترادفان. وبهذا قال أبو الخطاب في شرح (( التمهيد ) )، واستدل بقوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة:146] قال: {يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} ثم قال: {وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} يعلمون أنك رسول الله، أليس كذلك؟ حينئذٍ أردف هنا أو عبَّر عن المعرفة بالعلم، فدلّ على أن المعرفة هي العلم. وهذا اختيار المصنف هنا كما هو الظاهر، (العلم وَهُوَ مَعْرِفَةُ) فدل على أن العلم والمعرفة عنده سيَّان. وذهب بعضهم إلى التفريق ولم يوجد ضابط صحيح يمكن التعويل عليه في الفرق بين المعرفة والعلم، ولذلك أهل الأصول يذكرون هذه المسألة ثم يذكرون أنواعًا من الضوابط في التفرقة بينهما، أشهر ما ذُكر بأنَّ المعرفة يسبقها جهل، والعلم لا يسبقه جهل، يعني لا يعلم ثم يقال فيه: عالم وعارف، أما الذي لا يسبقه جهل كعلم الله عز وجل نقول: هذا عالم ولا يصح أن يقال فيه: عارف. هذا أشهر ما قيل، وابن القيم ذكر فروقًا يرى التفريق بين المعرفة والعلم ذكرها في ... (( مدارج السالكين ) )قال رحمه الله تعالى:
والفرق بين العلم والمعرفة من وجوه ثلاثة: