هذا فيه زيادة تعمية، وإلا الأصل قوله جل وعلا: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63] . أي لا تقولوا يا محمد، وإنما قولوا يا رسول الله أو يا نبي الله - صلى الله عليه وسلم -. فهذا قال بعض أهل العلم: أنه مبالغة في التعمية. وأجاب بعضهم بأن قوله جل وعلا: {لا تَجْعَلُوا} . هذا خطاب للإنس والجن، والملائكة ليست مخاطبة بهذا التكليف، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - على قول بعض أهل العلم أنه مبعوث إلى الإنس والجن دون الملائكة. حينئذ كل لفظ في القرآن لا يشمل الملائكة حينئذٍ جبريل ليس داخلًا، فقوله: يا محمد، ليس منهيًّا عنه، ولا بأس أن يكون من باب التعمية. قال: (يَا مُحَمَّدٌ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلاَمِ) أخبرني هذا فعل أمر، والأدنى السائل الأصل فيه أنه يجهل، والمسئول الأصل فيه أنه أعلم، حينئذ قالوا: إذا كان الأمر من الأدنى إلى الأعلى يُسمى دعاء، (أَخْبِرْنِي) نقول فيه: هذا فعل دعاء. أخبرني (أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلاَمِ) وهذا حقيقة شرعية، إذًا لفظ أراد أن يستفتي ويستفهم عنه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجيبًا له (الإِسْلاَمِ) الذي سألت عنه لأن (أل) هذه تعتبر للعهد الذكرى ( «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ» ) وفي لفظ في الصحيحين: «أن تعبد الله لا تشرك به شيئًا» . فحينئذٍ نفهم من هذا أن مدلول لا إله إلا الله هو العبادة كما جاء في رواية: «إنك تأتي قومًا من أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله» ، «أن يعبدوا الله» . أي: أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، فدلّ على أن العبادة إفرادها هو مدلول لا إله إلا الله. ( «وَتُقِيمَ الْصَّلاَةَ وَتُؤْتِيَ الْزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اِسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» ) وهذه أركان خمسة مجمع عليها بين أهل العلم أنها أركان الإسلام، وسبق دليل كل واحد منها، وذكرنا فيما سبق أنه مما استدل به المصنف قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} [البينة: 5] . وذكرت فيما سبق أن ليعبدوا هذه اللام لام الجزم، ويقيموا فهو معطوف عليه فهو مجزوم وهذا غلط تابعتُ بعض الشراح ولكن اللام هذه لام التعليل ويقيموا ويعبدوا ويؤتوا هذه منصوبات وليس بمجزومة فصححو ما سبق، وجلّ من لا يسهو. قال الرجل: (صَدَقْتَ) . مصدّقًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - لأن هذا خبر، فحينئذ يقابل بماذا؟ أخبره عن تعريف، هنا لم يأمره وإنما سأله عن حقيقة الإسلام لأن هذا استفهام، والاستفهام استفعال طلب الفهم، والفهم هو حصول المعني في النفس، ارتسام صورة المسئول عنه في الذهن، إذًا صار خبرًا فيقابل بالتصديق. أنت سائل ثم تصدق، هذا يُحدث العجب، ولذلك تعجب الصحابة، كيف تسأل والأصل فيك أن يسأل عن مجهول، فحينئذٍ إذا أُجيبت قل: نعم سأعمل سأطبق سأفعل، أما تقول: صدقت.
وكما يقول بعض الطلاب لمشايخهم أحسنت أحسنت، نقول: هذا ليس بجيد، وليس بسديد.
(فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ)