وهذا من الغرائب أنه لا يعرفه أحد من الصحابة، ثم لا يُرى عليه أثر السفر، لا تتغير ملابسه بل هو أبيض بل هو شديد البياض، وشعره كذلك شديد السواد، إذًا هذا لا بد أن يكون حاضرًا، ولا بد أن يكون مما يعرفه أهل المدينة، لكنه نفى هذا وذاك، (لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ) . والمسافر من شأنه أن لا يكون كذلك ومع ذلك لا يُرى عليه أثر السفر، (وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا) يعني من الجالسين أحد من الصحابة، عمر رضي الله تعالى عنه هو المتكلم فهنا تكلم عن نفسه وعن غيره، فكيف حينئذٍ يحكم على غيره بأنه لا يعرف ذاك الرجل؟ جاءت في رواية: (ولا يعرفه منا أحد) ، التي أثبتها المصنف هنا، وورد أيضًا في رواية أخرى (فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقالوا: ما نعرف هذا) إذًا لم يأت عمر رضي الله عنه من عند نفسه، فقال: (وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ) . بل سمع أن الصحابة نظر بعضهم إلى بعض فقالوا: لا نعرف هذا (من أين جاء) . (حتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -) أي ذاك الرجل (فَأَسْنَدَ) أضاف (رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ) ، (رُكْبَتَيْهِ) الضمير الأول إلى الرجل، (إِلَى رُكْبَتَيْهِ) يعني ركبتي النبي - صلى الله عليه وسلم - (وَوَضَعَ كَفَّيْهِ) الرجل (عَلَى فَخِذَيْهِ) هذا يحتمل أنه على فخذيه هو الرجل، أو فخذي النبي - صلى الله عليه وسلم -، والثاني أرجح أنه على فخذي النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأنه جاء في حديث ابن عباس عند النسائي: ثم وضع يده على ركبتي النبي - صلى الله عليه وسلم -) فحينئذ ارتفع الاحتمال، وهذه الجلسة قال فيها أهل العلم كجلسة التشهد الأول أو الجلسة بين السجدتين، وهذه جلسة طالب العلم كما قال أهل العلم. وكيف يضع يده على فخذي النبي - صلى الله عليه وسلم -؟
قالوا: من باب التعمية، ليدل على أنه أعرابي جِلْف، ليُعَمِّي على الصحابة لئلا يفهموا أنه مَلَك من عند الله جل وعلا. وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم ينتظرون بعضًا من الأعراب ليكشفوا عما أرادوا أن يستفتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يستطيعوا فكانوا يفرحون إذا جاء أعرابي وتكون صورته أنه يبدأ (يَا مُحَمَّدٌ) ويسأل عما بدا له، فكانوا يفرحون لأنه يكشف عما في ضمائرهم، هنا أراد أن يعمي فوضع يديه جبريل عليه السلام على فخذي النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: (يَا مُحَمَّدٌ)