قال: (مِنَ السُّنَّةِ) . أما من الكتاب فهو ما سبق، كل مرتبة ولها أدلة من السنة، لكن لما فرق بينها فحينئذ لا بد للتفريق أن يكون ثابتًا بدليلٍ خاصٍ، لما فرق بينها وجعل الإسلام خاصًّا بالأركان الخمسة وأخرج منه الاعتقاد، وجعل الإيمان خاصًّا بالأركان الستة وأخرج منه الظاهر، وجعل الإحسان كمال الظاهر والباطن، فحينئذٍ هذا التفصيل ولا يدرك بالعقل، وإنما لا بد من دليل، قال: (وَالدَّلِيلُ) . على المراتب الثلاثة (مِنَ السُّنَّةِ) من طرقٍ عنه - صلى الله عليه وسلم - حديث جبرائيل المشهور عند أهل العلم بهذا اللقب سمّيَ (حَدِيثُ جِبْرِيلَ) لأنه جاء سائلًا النبي - صلى الله عليه وسلم - مستفتيًا، (الْمَشْهُورُ) عند أهل العلم (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ) . ذكر المصنف هنا رواية مسلم من حديث عمر لِمَا فيه من الزوائد والفوائد وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة، ولأحمد وغيره من حديث ابن عباس، وهو حديث عظيم الشأن جليل يشتمل على بيان الدين كله، ولذلك قال في آخره: ( «هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ» ) . وله روايات متعددة، وفيها خلاف طويل عريض، ولكن ذكر المصنف هنا رواية واحدة لإثبات الفرق بين الإسلام والإيمان والإحسان. ولذلك لن نقف مع مفرداته وقفة تفصيل، لا بد من المرور. قال عمر رضي الله تعالى عنه: (بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ الْنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم) بينما هذه ظرف زمان، متضمن معنى الشرط، وما هذه زائدة كافة عن الجر، لأنها من الألفاظ الملازمة للإضافة، فما بعدها يكون مضافًا إليه، لكن لما دخلت عليها ما كفتها عن طلب الإضافة، فلذلك جاء بعدها (نحن) وهو ضمير رفع لا يكون في محل جر. (بَيْنَمَا نَحْنُ) يعني الصحابة، بعض الصحابة ليس كل الصحابة وإنما بعضهم مما كان يجلس عند النبي - صلى الله عليه وسلم - في مجلس التعلم والتعليم فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجتمع بأصحابه أو بعضهم في المسجد يعلمهم ما جاء إليه من عند الله جل وعلا. (جلوس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم) لم يعين هذا اليوم بل أطلق لأنه لا فائدة من ذكر ذلك اليوم، (إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا) إذ هذه ظرف (طَلَعَ عَلَيْنَا) أي خرج علينا أو ظهر علينا (رَجُلٌ) وهو في الأصل جبريل عليه السلام، وفيه دليل على ما ذكرناه بالأمس أن الملائكة تتشكل ولها قدرة على التغير والتشبه ونحو ذلك وهذا منها (رَجُلٌ) له صفات من صفاته التي أحدثت تعجب الصحابة أنه (شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ) فثيابه شديدة البياض، (شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ) وهذا أطلقه وجاء في رواية ابن حبان «شديد سواد اللحية» . إذًا اجتمع أمران: لم يتلوث ثوبه، ولم يتغير شعره. إذًا هذا لا بد أن يكون حاضرًا لا يكون مسافرًا، ولذلك قال: (لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ) .