وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كتب الله مقادير الخلائق، قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» . إذًا كل ما هو معلوم لله جل وعلا أزلًا فهو مكتوب عنده.
المرتبة الثالثة: الإيمان بمشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، كما قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] . إذًا الإيمان بأن جميع الكائنات لا تكون ولا توجد إلا بمشيئة الله تعالى، سواء كانت مما يتعلق بفعله أم مما يتعلق بفعل المخلوقين، ولذلك عند أهل السنة أن صفات الرب جل وعلا الفعلية، الصفات نوعان: ذاتية، وفعلية، أن الفعلية متعلقة بالمشيئة، كل صفة تعلقت في النص بمشيئة الله تعالى فهي صفة فعلية، لأن هذا ضابطها كما قال أهل العلم. قال تعالى فيما يتعلق بفعله: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} [القصص: 68] . {وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27] إذًا الرب جل وعلا ما أراده فعله، وما لم يرده لم يفعله، أليس كذلك. وقال في شأن فعل المخلوقين: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُم} [النساء: 90] ، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112] .
المرتبة الرابعة: مرتبة الخلق، الإيمان بأن جميع الكائنات مخلوقة لله جل وعلا خالق كل عامل وعمله، العبد وفعله مخلوقان لله جل وعلا بذاوتها، وصفاتها، وحركاتها، قال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر: 62] ، {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] .
قال الشيخ: (والإيمان بالقدر على ما وصفنا، لا ينافي أن يكون للعبد مشيئة في أفعاله الاختيارية، وقدرته عليها) . إذًا له مشيئة وله قدرة، ولكنها تابعة لمشيئة الله جل وعلا {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} . إذًا له مشيئة وله اختيار فلا جبر، حينئذٍ نقول: له مشيئة وليس مجبورًا على الفعل، بل هو فعل وحقيقة، والله جل وعلا خالق له حقيقة، ولا تعارض بين الأمرين. هذا المراد بالقدر. ///
( «تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» ) قال: ( «خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» ) بعضهم أراد إن يفسر القدر، وقيل: وهو من أحسن ما فسّر به أن المراد به هو حكم الله الكوني، كل ما أراده جل وعلا وحكم وقضى به في الكون فهو قدره جل وعلا. كل ما وقع وحصل حينئذٍ نقول: هذا قدر الله.
قال: (خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) . نأخذ من هذا أن القدر نوعان: خير، وشر. لكن نقول: ليس هذا على ظاهره، لأن الله تعالى القدر وهذا فعل الله تعالى، التقدير، فعل الفاعل، وفعل الرب جل وعلا كله خير ولا يوصف بالشر. ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «والشر ليس إليك» . الله تعالى ليس في فعله وتقديره شرّ، حينئذٍ نقول: وصف القدر بكونه خيرًا هذا عائد إلى فعل الله عز وجل، وإلى بعض مفعولاته، وأما الشرّ فليس عائدًا إلى فعل الله جل وعلا وهو التقدير، بل هو عائد إلى مفعولاته ومخلوقاته.