الثالث: الإيمان بالجنة، والنار، يؤمن أنهما موجودتان، وأنهما مخلوقتان لله عز وجل، وأنه لا فناء لهما، لا بد من هذا، وأنهما المآل الأبدي للخلق، فالجنة دار النعيم التي أعدها الله تعالى للمؤمنين المتقين، والنار فهي دار العذاب التي أعدها الله تعالى للكافرين الظالمين، وكل ما يتعلق بهذين الأمرين الإيمان من جهة الإجمال فإجمال، والتفصيل هو تفصيل.
وَالنَّارُ وَالجَنَّةُ حَقٌّ وَهُمَا ... مَوْجُودَتَانِ لاَ فَنَاءَ لَهُمَا
ويلتحق بهذا الركن الخامس، الإيمان بفتنة القبر، وهو سؤال الميت بعد دفنه عن ربه، ودينه، ونبيه، هذا ما ذكرناه سابقًا في توقف هذه الأصول الثلاثة عليه.
الثاني: عذاب القبر ونعيمه، فيكون للظالمين من المنافقين والكافرين قال الله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93] . هذا ما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر.
( «أَنْ تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» ) هذا هو الركن السادس، وأعاد الفعل هنا (تُؤْمِنَ) تأسيًا بالسنة بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - كما يأتي في حديث جبريل، فإنه أعاده تأكيدًا لأهمية هذا الركن. يعني يحتاج أن يُنَصّ عليه.
( «تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» ) والقَدَرُ بفتح الدال: هو تقدير الله تعالى لما سيكون حسب ما سبق به علمه، واقتضته حكمته. وله مراتب أربعة:
المرتبة الأولى: مرتبة العلم.
والثانية: مرتبة الكتابة.
والثالثة: مرتبة المشيئة.
[والرابعة] : مرتبة الخلق.
عِلْمٌ كِتَابَةُ مَوْلاَنَا مَشِيْئَتُهُ ... وَخَلْقُهُ وَهُوَ إِيْجَادٌ وَتَكْوِيْنُ
إذًا لا بد أن يتضمن الإيمان بالقدر أربعة أمور:
الأول: الإيمان بأن الله تعالى علم بكل شيء جملة وتفصيلًا، كُلاًّ وجزءًا، علم بما كان، وما يكون، وكيف يكون، من الموجودات والمعدومات، والممكنات، والمستحيلات، فعلمه يتعلق بالموجود والممكن والمستحيل، أليس كذلك؟ فحينئذٍ العلم يكون إجمالًا وتفصيلًا، يعني يعلم جل وعلا، كما يعبر بعضهم الكليات والجزئيات، لأن بعضهم يُنْكر الجزئيات من الفلاسفة ونحوهم، نقول: هذا باطل، بل الله جل وعلا محيط بكل شيء.
إذًا الإيمان بأن الله تعالى علم بكل شيء جملة وتفصيلًا، أزلًا وأبدًا، من الموجودات، والمعدمات، والممكنات، والمستحيلات، سواء كان ذلك العلم متعلقًا بأفعاله هو ما سيفعله هو جل وعلا، أو بأفعال العباد. فهو عالم به جل وعلا أزلًا.
الثاني: الإيمان بأن الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ. إذًا العلم أولًا، ثم الكتابة ثانيًا، يعني ما علمه جل وعلا أنه سيكون فهو مكتوب في اللوح المحفوظ، وفي هذين الأمرين العلم والكتابة قال تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ} أي معلوم {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج: 70] .