فحينئذٍ خلق الله جل وعلا لإبليس خير، وإبليس نفسه شرّ، هو الشر نفسه، وأما خلقه جل وعلا له فهو خير، لما يترتب عليه من المصالح التي لا يعلمها إلا الله جل وعلا.
إذًا الشر لا يضاف إلى فعل الله تعالى، وإنما يضاف إلى مفعولاته سبحانه والمخلوقات والكائنات، ولكن جاء في الشرع في طريقة إثبات الشر إلى مقدور الله جل وعلا من جهتين:
أولًا: حذف الفاعل وإضافة الشر إلى المفعول كما في قوله: {أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْض} [الجن: 10] . {أَشَرٌّ أُرِيدَ} ، والأصل أشر أراد الله بمن في الأرض، لكن حذف الفاعل ونسب إلى المفعول.
أو يضاف إلى السبب كقوله: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} [الفلق: 2] من شر مخلوقاته، فأضيف إلى السبب. ( «تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» ) .
قال: (وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الأَرْكَانِ السِّتَّةِ) . يعني أنها أركان، أركان الإيمان الخاص، وأنه لا يستقيم الإيمان إلا بها جميعها، وأنه من انتقى واحد منها لم يكن مؤمنًا (قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة: 177] ) هذه خمسة أركان، لََيْسَ الْبِرَّ بالنصب على أنه خبر ليس، ( {أَن تُوَلُّواْ} ) أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر اسم ليس مؤخرًا، ليس توليتكم جهة المشرق والمغرب البر، يعنى ليس البر كله أن توجهوا وجوهكم قبل المشرق أو المغرب. وهذا واضح، لأن البر أركانه ستة، وقصره وحصره على أنه يولي وجهه جهة المشرق أو المغرب، نقول: هذا فيه قصور وتقصير فنفى الله تعالى أن يكون هذا هو البر كله.
إذًا ليس البر، هو من البر، لكنه ليس البر كله، ليس البر كله أن تتوجهوا في صلاتكم إلى بيت المقدس، ليس البر في التوجه إلى جهة المشرق أو المغرب، ولكن البر أي البر الكامل الحقيقي الشرعي، والبر تفسر بماذا؟ اسم جامع لكل عمل من أعمال الخير، وذكرنا قول ابن تيمية رحمه الله تعالى: (إذا أُفْرِد الإيمان صار كلفظ البر لأن البر، والتقوى، والإيمان، هذه إذا أفردت دخل فيها الدين كله. وحينئذ البر إذا أُطلق صار ماذا؟ لم يأت معه لفظ الإسلام ولا الإيمان، شمل الإسلام، والإيمان، والإحسان، إذًا البر: اسم جامع لكل عمل من أعمال الخير سواء كانت ظاهرًا أو باطنًا.( {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ} ) يعني لكن البر الحقيقي في الإيمان، وما يتعلق به من أركان، وأولها من آمن بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، (أل) هنا للجنس يعني والكتب، والنبيين، وهذا يشمل الرسل. أي ولكن البر الإيمان بالله وما ذُكر، أو ولكن البر بر من آمن بالله، أو ذا البرِّ بر من آمن بالله، لا بد من التقدير.