إذًا الركن الرابع هو التصديق الجازم بأن الله تعالى قد بعث الله تعالى في كل أمة رسولًا يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بما يُعبد من دونه جل وعلا، وهذا متفق عليه بين الرسل والأنبياء، فدعوتهم واحدة من أولهم إلى آخرهم، كلها متفقة على أصل الدين، وهو توحيد الله جل وعلا، وأنهم هُداة إلى الخلق، وأن دلالتهم دلالة إرشاد إلى سبيل الهدى، ولذلك قال تعالى مخاطبًا نبيه - صلى الله عليه وسلم: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد: 7] . (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادِي) قراءتان، إذًا الرسل جمع رسول كما قال الشيخ بمعنى مُرْسَل، وقد ذكرنا أن فَعُولًا يأتي بمعنى مُفْعَل مُرْسَل، والرسل هنا قد يُراد به المعنى اللغوي، (وَرُسُلِهِ) ليشمل الأنبياء، والرسل، والرسول بالمعنى الخاص والنبي كذلك، لأن النبي مرسل، قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [البقرة: 213] . {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ} دل على أن الأنبياء مبعوثون، والبعث هو الإرسال، ولذلك قال هنا: مُرْسَل أي مبعوث بإبلاغ شيء، والمراد هنا مَنْ أُوحِيَ إليه من البشر بشرع، وأمر بتبليغه. وهذا وهل من فرق بين الرسول والنبي؟ كلام طويل عريض سبق منه شيء، والمشهور عند أهل العلم أن الفرق بينهما: أن الرسول إنسان ذكرٌ أُوحِي إليه بشرع، وأمر بتبليغه، والنبي إنسان أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا. هذا هو المشهور، وثَمَّ خلاف طويل عريض، وكلها اجتهادات واستنباطات من النصوص وليس فيها ثَمَّ دليل واضح بيّن يحدد الفرق بين الرسول والنبي.
وأول الرسل هو نوح عليه السلام، وخاتمهم هو محمد - صلى الله عليه وسلم - وهذا متفق عليه، قال الله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163] . فدلّ على أن أول الرسل هو نوح عليه السلام، وقال الله تعالى في شأن محمد: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40] فدل على أن أول الرسل هو نوح عليه السلام، وأن خاتمهم هو محمد - صلى الله عليه وسلم -.
والإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بأن رسالتهم حق من عند الله جل وعلا، أنهم مرسلون من عند الله تعالى، فمن كفر برسالة واحد منهم، فقد كفر بالجميع، لأنه مُكَذِّب للكل، دعوتهم واحدة، فإذا كذب واحدًا فقد كذب الكل كما قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 105] . هو أول رسول، فكيف كذَّبوا المرسلين، كأنهم كذَّبوا المرسلين كلهم، فجعلهم الله مكذِّبِين لجميع الرسل، مع أنه لم يكن رسول غيره حين كذبوه.
الثاني: الإيمان بما علمنا اسمه منهم من طريق شرعي صحيح، مثل: محمد، إبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح عليهم الصلاة والسلام، وهؤلاء الخمسة هم أولو العزم من الرسل، وقد ذكرهم الله تعالى في موضعَيْنِ: محمد، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح: