إذًا يؤمن بهم إجمالًا في الإجمالي، وتفصيلًا في التفصيلي. الملائكة عالم غيبيٌّ، خلقهم الله تعالى من نور، فهم عبّاد الله جل وعلا في سمائه لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ومنحهم الله جل وعلا الانقياد التامة لأمره والقوة على تنفيذه، قال تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 19، 20] . وعددهم كثير، لا يحصيهم إلا الله جل وعلا، قال تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر: 31] ، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه في قصة المعراج أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رُفِع له البيت المعمور في السماء يُصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما هم عليه، والإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور لا يتم الإيمان إلا بها، إجمالًا في الإجمالي، وتفصيلًا في التفصيلي على هذا القيد.
الأول: الإيمان بوجودهم، وأنهم جنس مخلوق من خلق الله جل وعلا، خلقهم من نور كما جاء في الحديث «خلقت الملائكة من نور» .
الثاني: الإيمان بأسمائهم، بما علمنا اسمه منهم، لأنهم غيب، فلا بد حينئذٍ أن يكون مصدر الوقوف على اسم مَلَكٍ ما، لا بد أن يكون بطريق شرعي صحيح، يعني لا تثبت أسماء الملائكة بالاجتهاد، ولا الاستنباط، ولا بالأحاديث الضعيفة، ولا بالآراء، ولا بالأهواء، وإنما لابد من دليل شرعي صحيح لأنهم عالم الغيب حينئذٍ لا يثبت الاسم إلا من جهة شرعية كجبريل، أو جبرائيل، ومن لم نعلم اسمه نؤمن به إجمالًا، حملة العرش، ما نعرف أسماءهم أليس كذلك وإنما هذا وصف، إذًا نقول: لا نؤمن بأسمائهم؟ نقول: لا، نؤمن بهم على جهة الإجمال، فلو أخبرنا من جهة صحيحة بأسمائهم آمنا بها، وإن لم نُخْبَر حينئذ نقول: نقف في الأمر.
الثالث: الإيمان بصفاتهم، بما علمنا من جهة صحيحة شرعية، كصفة جبريل، فقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رآه على صفته التي خُلِقَ عليها وله ستمائة جناح قد سدّ الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل والدرر والياقوت ما الله به عليم، وقد يتحول الملك بأمر الله تعالى إلى هيئة رجل، وهذا جاء في عدة أحاديث.
الرابع: الإيمان بما علمنا من أعمالهم ووظائفهم التي ثبتت بالنصوص، هذا أيضًا مرجعه إلى الشرع، فلا تثبت وظيفة مَلَكٍ ما إلا من جهة شرعية صحيحة، فلا للرأى فيه مجال، ولا للأحاديث الضعيفة فيها مجال. الإيمان بما علمنا من أعمالهم ووظائفهم التي ثبتت بالنصوص التى يقومون بها بأمر الله تعالى، كتسبيحه، والتعبد له ليلًا ونهارًا، وقد يكون لبعضهم أعمال خاصة، كما ثبت في شأن جبريل أنه أمين الوحي الذي يُرسله الله تعالى به إلى الأنبياء والرسل، وميكائيل الموكل بالقطر، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور، وملك الموت الموكل بقبض الأرواح، ومالك الموكل بالنار وهو خازن النار، والملائكة الموكلين بالأجنة في الأرحام .. إلى آخر ما ورد في الكتاب والسنة.
إذًا نقول: هذه يتضمنها الإيمان بالملائكة، إجمالًا في الإجمالي وتفصيلًا في التفصيلي.