إذًا (وأدناها) أي أقلها (إِمَاطَةُ الأَذَى) الأذى هذه (أل) للاستغراق، أي أذى (عَنِ الطَّرِيقِ) ، والطريق هو ما يُطرق بالأقدام، وهو إذا كان مسلوكًا يُسمى طريقًا، وإلا إذا كان مهجورًا فلا يدخل في الحديث، لأن المراد الأذى، وهو ما يُؤذي الناس، وما لا يكون مسلوكًا لا يُوصف بكونه يؤذي الناس.
(وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ) الحياء صفة انفعالية تبعث على فعل الخير واجتناب القبيح، وهي عمل القلب، (مِنَ الإِيمَانِ) من للتبعيض، إذًا هي بعض الإيمان، جعله بعضًا من الإيمان، لأن المستحي ينقطع بحيائه عن المعاصي، وترك المعاصي بعض الإيمان، كما أن فعل الطاعات بعض الإيمان، لأن الإيمان طاعة فعل، فحنيئذٍ يفعل ما أوجبه الشرع، ويترك ما أوجب الشرع تركه، فامتثال الثاني وهو ما يبعث عليه الحياء، نقول: هذا بعض من الإيمان. (شُعْبَةً) من الإيمان إذًا الإيمان قول واعتقاد وعمل. وهذا بإجماع السلف كما ذكرناه سابقًا.
ثم قال رحمه الله: (وَأَرْكَانُهُ) . الضمير هنا يرجع إلى الإيمان بالمعنى الخاص، وهذا ذكره الشيخ رحمه الله في الحاشية يقول: والجمع بين ما تضمنه كلام المؤلف رحمه الله تعالى، لأنه ظاهره التعارض، هو يريد المرتبة الثانية الإيمان الخاص، ثم قال: (بِضْعٌ وَسَبْعُونَ) . ثم قال: (وَأَرْكَانُهُ سِتَّةٌ) . إذًا ظاهره التعارض، لأن الأركان الستة هذه هي الإيمان الخاص، والبضع والسبعون هي الإيمان العام، فكيف يقال: بضع وسبعون وأركانه ستة؟ هذا فيه تعارض، من أن الإيمان بضع وسبعون شعبة، وأن الإيمان أركانه ستة أن نقول: الإيمان الذي هو العقيدة أصوله ستة، - الإيمان الذي هو الاعتقاد، الإيمان الخاص أصوله ستة - وهي المذكورة في حديث جبريل، وأما الإيمان الذي يشمل الأعمال، وأنواعها، وأجناسها، فهو بضع وسبعون شعبة، وهذا هو الإيمان العام.
إذًا أراد بقوله: (وَهُوَ) أي الإيمان العام، بضع وسبعون شعبة وأركانه أي الإيمان الخاص، وأركانه أي الذي يُراد عند اقترانه بذكر الإسلام.
(وَأَرْكَانُهُ) هذا كما سبق جمع ركن، والركن ما لا يصح الإيمان إلا به، أو إن شئت قل: هو الذي لا يقوم الشيء إلا به، جزء الماهية، فحينئذ إذا اختل أيُّ ركن من هذه الأركان الستة أدّى إلى ارتفاع وصف الإيمان عنه، لأنها جعلها كلها أركانًا، فحينئذ لا يقوم الإيمان ولا يصح إلا باجتماع هذه الأركان الستة، ولكن المقصود في تحقيق الإيمان بكل ركن، هو الإيمان الإجمالي على جهة الإجمال، وإذا وُجد التفصيل حينئذ وجب الإيمان. كأن يصدق بالملائكة تصديقًا جازمًا، ولو لم يعلم أن عددهم كثير، أو أنهم خلقوا من نور، أو أن منهم جبرائيل، أو ملك الموت، إذا صدق بالملائكة تصديقًا جازمًا، ولم يعلم بهذا التفصيل نقول: تحقق الركن على جهة الإجمال فثبت الإيمان، أما إذا بُيِّن له تفصيلًا بأن من الملائكة من اسمه كذا، حينئذٍ وجب فإذا لم يؤمن كفر، لأنه يكون مرتدًا عن الإسلام مكذبًا لله ولرسوله.
(وَأَرْكَانُهُ سِتَّةٌ) ما الدليل على أنها ستة؟ حديث جبريل، وانعقد الإجماع على ذلك، أن الإيمان ستة أركان.