إذًا (وَهُوَ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً) هذا دلّ على أن الإيمان يتجزأ، وله أجزاء، ثم هذه الأجزاء قد يفوت الإيمان بفوات بعضها، وقد لا يفوت بفوات بعضها، هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، أن الإيمان له شعب، كما أن الكفر له شعب، لأن الإيمان والكفر [نقيضان] [1] ، فالإيمان له شعب، له أجزاء، هل إذا فات جزء منها فات الإيمان - أسألكم، هل إذا فات جزء من هذه الأجزاء أو الخصال فات الإيمان؟ - تقول: لا، لأنه إذا رأى الأذى في الطريق فلم يمطه انتفى الإيمان، مشكلة هذه، هذا مذهب المعتزلة والخوارج، حينئذٍ نقول: لا، بعض الأجزاء لا بد من دليل ونص على أن بعض الأجزاء إذا انتفى انتفى الإيمان بانتفائها وفات بفواتها، وبعضها لا.
(بِضْعٌ وَسَبْعُونَ) هنا كأن المصنف رحمه الله تعالى رجح الرواية التي فيها زيادة بضع وسبعين، وإلا ففيها روايتان، «بضع وستون» . وهي في الصحيح، وكذلك بضع وسبعون وهي في الصحيح أيضًا، وبعضهم حملها على المتيقن وهو الأقل، لذلك قال ابن حجر رحمه الله تعالى: إن المعوَّل على المتيقن وهو الأقل، وهو بضع وستون. وجاءت رواية بالشك «بضع وستون أو بضع وسبعون» . عند مسلم، فبعضهم جعلها من باب زيادة الثقة، وبعضهم جعلها أنها من المشكوك فيه فتُطرح على خلاف طويل، وظاهر كلام المصنف هنا، أنه رجح بضعًا وسبعين شعبة.
(فَأَعْلاهَا) أي أعلى تلك الشعب بمعنى الإيمان العام، لأن أعلاها قول، والقول داخل في مسمّى الإيمان العام، أليس كذلك؟ لأنه قول، ونقول: الإيمان اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح. (فَأَعْلاهَا) أي أعلى تلك الشعب بمعنى الإيمان العام (قَوْلُ: لا إِلَهَ إِلا اللهُ) إذًا هذا لفظ تلفظ به، هل يكفي اللفظ دون اعتقاد؟ نقول: لا، إذًا لفظ يتبعه اعتقاد، لا بد أن يكون معه اعتقاد، والإ كان ضالًا مخالفًا للكتاب، والسنة، والإجماع.
(وَأَدْنَاهَا) يعني أقلها، أدنى تلك الشعب بالمعنى العام (إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ) أي إزالة الأذى وهو ما يُؤذي المارين من حجر أو شوك ونحو ذلك. فحينئذٍ (إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ) نقول: هذا عمل ظاهر، وهو داخل في مسمى الإيمان، لماذا؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أطلق عليه أنه إيمان في هذا الحديث، وإذا كان كذلك حينئذٍ نقول: مرجع الأسماء الشرعية هو الشرع، وهذا لا بد أن يتقرر عند طالب العلم، أن مرجع معرفة الأسماء الشرعية والحقائق الشرعية التي رتب عليها الشرع أحكامًا في الدنيا وفي الآخرة، لا بد أن نأخذها من الشرع، لأنه أطلق لفظ الإيمان، وهل أحاله في معناه إلينا؟ نقول: لا، هل رتب عليه دخول الجنة، وحرمان من النار عند الوجوده وعند العدم، إراقة الدماء، وسبي النساء، ألأيس كذلك، يرث، لا يورث .. إلى آخره، هل من المعقول أنه يُترك هذا الاسم دون بيان؟ نقول: لا، بينه الشرع بيانًا واضحًا، لا إشكال فيه، ومن وقع عنده إشكال فهذا خلل في نفسه هو.
(1) سبق فقال الشيخ: ضدان الدقيقة 35.33.