(وَفِي الْحَدِيثِ) عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فـ (أل) تكون للعهد الذهني، حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ( «الْدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ» ) . مخ بمعنى لُبّ الشيء وخلاصته، مخ الشيء هذا خلاصته ولبه، كالإنسان مرجعه إلى مخه فإذا عدم المخ عدم الإنسان. ( «الْدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ» ) إذا عُدِمَ الدعاء عُدِمَتِ العبادة، وهذا بمعنى حديث آخر، وهذا الحديث فيه ضعف، وثَمَّ حديث آخر، حديث النعمان بن بشير أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث النعمان بن بشير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( «الْدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةِ» ) . حصر الدعاء في العبادة، والحصر هنا وقع من جهتين: الأولى تعريف الجزأين المبتدأ والخبر. الدعاء مبتدأ، العبادة خبر، إذا عُرِّف الجزأين دل على الحصر، وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه.
إذًا العبادة هي الدعاء، حصر العبادة في الدعاء، فما عدا الدعاء لا يُسمى عبادة. ما ضربت إلا زيدًا، حصرت الضرب في من زيد، وعمرو غير مضروب. إذًا كل من عدا زيد ليس مضروبًا، والضرب كله وقع على من؟ على زيد.
( «الْدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةِ» ) حصر العبادة في الدعاء، حينئذٍ الدعاء كله عبادة ما عدا الدعاء لا يسمّى عبادة، وهذا الحديث من جهة المعنى موافق لحديث ( «الْدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ» ) . ولذلك يقال فيه صحيح المعنى ضعيف اللفظ، ( «الْدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ» ) . صحيح المعنى ضعيف اللفظ يعني لم يقله النبي - صلى الله عليه وسلم - لماذا؟ لأنه ضعيف.
إذًا الحديث هذا ( «الْدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ» ) . أخرجه الترمذي من حديث أنس وقال فيه: حديث غريب. وفي الحديث ( «الْدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ» ) .
(وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى) وهذا من السنة، ثم أردفه بدليل من الكتاب فقال: (وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] ) . ما ووجه الدلالة بكون الدعاء عبادة؟
( {ادْعُونِي} ) . اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. - احفظوا هذا - كل ما أمر الله به أمر إيجاب أو أمر استحباب فهو عبادة، إذًا الأمر يؤخذ منه أنه عبادة، إذا أثنى الله عليه فهو عبادة، إذا أثنى على أهله فهو عبادة. {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146] . أثنى على الصابرين الأشخاص لماذا؟ لصبرهم، فالصبر عبادة. {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90] . أثنى على الأنبياء والمرسلين بأنهم يدعونه رغبًا ورهبًا، ثناء على أهله فدل على أنه عبادة.