فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 321

إذًا جهات العبادة، إما أن يأمر بها الرب جل وعلا أمر إيجاب أو استحباب، أو يُثني على تلك الفعلة أو المقولة، أو يثني على أهلها، لأن الثناء على أهله دليل على رضاه، وإذا ثبت بأي طريق بأن الله قد رَضِيَ هذا القول، فهو عبادة، أو أحبه فهو عبادة. هذا تأخذه من أين؟ اسم جامع لكل ما يحبه الله، وطريق إثبات محبة الله عز وجل أوسع، فإذا أَمَرَ أَمَرَ بما يحب، فإذا أَمَرَ أَمَرَ بما يرضى، فإذا مدح مدح ما يُحب، ومدح مَنْ يُحب، ما يحب على الأفعال والأقوال، ومن يحب هم المتلبسون بتلك، إذا مدح أو رَضِيَ ما يحب دل على أنه عبادة، إذا رَضِيَ عمن يحب حينئذٍ نقول: هذا كله دليل على أنه عبادة.

إذًا ( {ادْعُونِي} ) نقول: هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، وإذا كان كذلك ثبت أن الدعاء هو العبادة، على الدعاء عبادة، فإذا كان الأمر كذلك إذًا ثبت أن الدهاء عبادة بدليل خاص، لا بد من هذا، لا بد أن يأتي دليل يدل على أن هذا عبادة، ثم صرف العبادة لغير الله، ناتج أدلة عامة. نقول: الدعاء عبادة لقوله تعالى: ( {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} ) . صرفه لغير الله شرك، ما الدليل؟ ( {وَأنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} ) ، ( {وَأنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا} ) أي لا تعبدوا مع الله أحدًا.

( {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} ) ، ( {ادْعُونِي} ) فسرها بعضهم بدعاء المسألة على جهة الخصوص لقوله: ( {أَسْتَجِبْ لَكُمْ} ) فحينئذٍ استجب لكم بمعنى ماذا؟ أعطكم ما سألتم، وقد تأتي الاستجابة بمعنى الإثابة، فإذا فسرت الاستجابة بمعنى الإثابة حينئذ يكون قوله: ( {ادْعُونِي} ) عامًا يشمل دعاء العبادة ودعاء المسألة. ولكلٍّ وجهةٍ.

( {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} ) . سمى الدعاء عبادة، ( {سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} ) حقيرين ذليلين صاغرين.

إذًا وجه الدلالة من هذه الآية أن الله تعالى سَمَّى الدعاء عبادة فأمر بالدعاء ووعد بالإجابة، أو أمر بالدعاء ووعد بالإثابة.

هنا يقول الشيخ رحمه الله: فدلت الآية على أن الدعاء من العبادة ولولا ذلك ما صح أن يقال: ( {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} ) لأنه أعاد نفس ما رتب عليه الحكم السابق، فمن دعا غير الله عز وجل بشيء لا يقدر عليه إلا الله، فهو مشرك كافر.

كلّ ما دُعِيَ غير الله مما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر، سواء كان ميتًا أو حيًّا، حاضرًا أو غائبًا، سواء كان المدعوّ حيًّا أو ميتًا. ومن دعا حيًّا بما يقدر عليه مثل أن يقول: يا فلان اطعمني، أو يا فلان اسقني، فلا شيء فيه. إن دعا ميتًا نقول: هذا شرك مطلقًا أكبر، يعني سواء كان لا يقدر عليه أو يقدر عليه لو كان حيًّا، الميت مطلقًا السؤال مقطوع عنه. حينئذ كل من دعا ميتًا فحينئذٍ نقول: ثبت الشرك في حقه فهو مشرك في هذه العبادة.

أما الحيّ فهذا يُفصل فيه، فإن كان حاضرًا أمامك يسمعك، فإن كان سؤاله فيما يقدر عليه مثل ما مثَّل الشيخ فهذا لا إشكال فيه فهو جائز، وإن كان لا يقدر عليه فهو شرك أكبر ولو كان حاضرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت