هنا ( {لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} ) يعني ليس له دليل صحيح في ثبوت الإلوهية له مع الله جل وعلا، لو قيل بأنها للاحتراز إذا ثَمَّ إِلهٌ آخر له برهان فإن وجد صحت عبادته مع الله وهذا باطل، على كلٍّ تأملوها. فتقول: ( {لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} ) هذه صفة كاشفة، إنما المراد بها بيان حقيقة من دُعِيَ مع الله تعالى.
من أنه لا حجة له صحيحة، فهو وصف كاشف فائدته زيادة البيان والإيضاح.
( {فَإِنَّمَا} ) هذا جواب الشرط ( {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ} ) هذا تهديد، ووعيد لكل من دعا غير الله بأن حسابه عند الله وثمرة هذا الحساب نفي الفلاح، وسبق أن الفلاح أجمع كلمة للخير في لسان العرب. فإذا نُفِيَ الفلاح من أصله ثبت الهلاك وأنه من أهل النار والعياذ بالله.
( {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} ) من هم الكافرون؟ الذي فسره بقوله: ( {وَمَن يَّدْعُ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} ) إذًا حصل الشرك، وحكم عليه بأنه كافر. ( {إِنَّهُ} ) إذًا نتيجة الحساب ( {لَا يُفْلِحُ} ) هذا نفي للفلاح، يفلح نكرة في سياق النفي فيعم أدنى الفلاح، لا يوصف ولن يجد أدنى ما يصدق عليه أنه فلاح، هذا يتعين أنه من أهل النار، وأنه هالك. ( {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} ) إذًا سماهم كافرين لدعائهم مع الله تعالى غيره. إذًا جمعوا بين الكفر والشرك، هذا دليل على أن من صرف شيئًا من العبادة لغير الله فهو مشرك كافر، لماذا؟ لأن الله تعالى قال: ( {وَمَن يَّدْعُ مَعَ اَللَّهِ} ) يدعو: يعبد مع الله إلهًا آخر، وهذه جمعت الآية عمومين، عمومًا في الفعل لقوله: ( {وَمَن يَّدْعُ} ) أي أنواع العبادة، وإن قلت فهو عموم في الفعل. ( {إِلَهًا آخَرَ} ) عموم في المدعوِّ، ولو كان ملكًا مقربًا أو نبيًّا مرسلًا. ما حكمه؟ ( {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} ) . إذًا أثبت له الشرك وأنه مشرك، وأثبت الكفر وأنه كافر.
هذا شروع من المصنف رحمه الله تعالى، يقول الشيخ في التعليق على ما سبق: ذكر جملة من أنواع العبادة وذكر أن من صرف منها شيئًا لغير الله وإن قل، فهو مشرك كافر، واستدل بقول الله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] . وبقوله: {وَمَنْ يَدْعُ} وهذا شرط {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 117] .
ووجه الدلالة من الآية الأولى: أن الله تعالى أخبر أن المساجد، وهي مواضع السجود أو أعضاء السجود لله، ورتب على ذلك قوله: {فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} . أي لا تعبدوا، فسر الشيخ هنا {تَدْعُوا} بمعني تعبدوا كما هو مذهب كثير من المفسرين، فلا تعبدوا معه غيره وتسجدوا له.
ووجه الدلالة من الآية الثانية: بأن الله تعالى بين أن من يدعو مع الله إلهًا آخر فإنه كافر، هذا يفعلونه في التفريغ إذا قال: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا} وقف للتسكين يكتبها إله ( {إِلَهًا آخَرَ} ) فإنه كافر لأنه قال: ( {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} ) .