( {وَمِنْ آيَاتِهِ} ) يعني من الأدلة والبراهين على وجوده تعالى، وتفرده بالألوهية والربوبية ( {اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ} ) أي وجود الليل والنهار، ( {وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} ) أي وجود الشمس والقمر. ثم قال: ( {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ} ) . لأنه إذا ثبت أن هذه آيات عظيمة ومخلوقات عظيمة ولها تغيرات وتقلبات ولها منافع لا تحصى ولا تعد هذا لا يستلزم أن تعبد من دون الله، وأن تصرف لها أنواعًا من العبادة. فهذه وإن كانت آيات عظيمة فهذا لا يقتضي أن يسجد لها لأنها مخلوقة، وخص السجود بالذكر لأنه عبارة عن نهاية التعظيم. الغاية في التعظيم هو السجود، فحينئذٍ خص السجود هنا بالذكر دون سواه.
( {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ} ) أي اعبدوا الله وحده، لأنه الخالق العظيم الذي خلقهن، خلق هذه المذكورات من الآيات. ( {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} ) .
فهذه الآية دلت على ماذا؟ استدل الربّ جل وعلا بهذه الآيات على أنه المستحق للعبادة، ما وجه الاستدلال؟ قال: ( {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ} ) هذا أعظم غاية التعظيم، والتعبد لله إن كنتم إياه جل وعلا تعبدون، إن كنتم تعبدون الله فاسجدوا لله ولا تسجدوا لهذه المخلوقات، لماذا؟ لأنه هو المستحق للعبادة دون ما سواه. فاستدل هنا بتوحيد الربوبية ( {الَّذِي خَلَقَهُنَّ} ) ، هذا كقوله هناك: {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، لماذ الحمد لله؟ لأنه رب العالمين. هنا لماذا {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} ، ( {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ} ) لماذا؟، لأنه هو الخالق لهذه المخلوقات العظيمة فهو المستحق جل وعلا لأن يعبد دون ما سواه.
(وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} [الأعراف: 54] ) .
( {إِنَّ رَبَّكُمُ} ) أي معبودكم، يفسر الرب هنا بمعنى المعبود، هذا اصطلاح شرعي، ( {إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} ) هذا جاء أولها الأحد وآخرها الجمعة. ( {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} ) ، ( {اسْتَوَى} ) علا وارتفع ارتفاعًا وعلوًا يليق بجلاله، وهو علو خاص، وفرق بين العلو والاستواء عند أهل السنة والجماعة، والكلام فيه ليس في هذا الموضع. ( {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} ) أي علا وارتفع وعلوًا خاصًا يليق بجلاله جل وعلا ( {عَلَى الْعَرْشِ} ) وهو السقف المحيط بالمخلوقات، وليس هو الكرسيّ.
( {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} ) أي يغطي كل واحد منها الآخر، فيذهب ظلام هذا بضياء هذا، وضياء هذا بظلام هذا.
( {يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} ) أي كل منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا، أي سريعًا، سريعًا هذا حال، أي سريعًا لا يتأخر عنه، فإذا ذهب هذا جاء هذا والعكس بالعكس.