لكن الظاهر أن مراده بالآيات الكونية، والمخلوقات عطف عليه من باب عطف الشيء على مرادفه، ولا إشكال، هو لم يصنف على طريقة المختصرين بحيث أنه لا بد أن تكون الكلمة أن يوجه لها توجيه، بعضهم رأى أن لا بد من الجواب، فقال: الآيات هذه المراد بها ما يحدث ويتغير، والمخلوقات ما يكون ثابتًا، ورأى أن المتغير والمنتقل العبرة به أشد. ولذلك قال: ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، مثل بماذا؟ بالمتغير، ومن مخلوقاته السماوات السبع، والأراضون السبع، مثل بماذا؟ بثابت، أيُّ النوعين أشد تأثيًرا في الناس؟
المتغير، لكن الله تعالى يقول: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الجاثية: 3] فسمَّى السماوات والأرض آيات، وأُطلق على المخلوقات آيات، وأُطلق على الليل والنهار آيات، وأنها مخلوقات أيضًا، جاء التعبير بهذا وبذاك. على كُلٍّ المصنف لم يرد أنه يصنف هذه الرسالة على طريقة المختصرين.
قال: ( {وَمِنْ آيَاتِهِ} ) . التي نصبها جل وعلا أدلة على وحدانيته سبحانه وتعالى آيات الليل والنهار.
( {وَمِنْ آيَاتِهِ} ) من للتبعيض ليست كل الآيات، بل من، هذه تفيد التبعيض، ومن أعظم آياته المشاهدة بالأبصار، الليل والنهار والشمس والقمر، كون الليل يأتي على النهار فيغطيه، ثم يأتي النهار فيذهب بظلمة الليل، ويجيء هذا، ويذهب هذا. هذا فيه تنقل وفيه تغير، وهذا إحكام وتنسيق، لا يقدر عليه إلا خالقه جل وعلا. فبهذه الصفة المشاهدة من أعظم الأدلة على وحدانية الرب جل وعلا.
والشمس والقمر، كذلك الشمس آية من آيات الله عز وجل كما قال الشيخ هنا في الحاشية، لكونها تسير سيرًا منتظمًا بديعًا منذ أن خلقها الله عز وجل، وإلى أن يأذن الله عز وجل بخراب العالم، فهي تسير لمستقر لها. إذًا لها منافع، ومنافعها متعددة ولا تحصى ولا تحصر. وذكر الشيخ شيئًا منها فارجعوا إليها.
(وَمِنْ مَخْلُوقَاتِهِ) من للتبعيض، يعني من أعظم مخلوقاته السموات السبع، سعتها وارتفاعها وعددها .. إلى آخره، والأراضون السبع أيضًا في امتدادها وسعتها، (وَمَنْ فِيهِنَّ) من المخلوقات العظيمة الجبال والبحار في الأرض، والملائكة في السماء (وَمَا بَيْنَهُمَا) بين ذلك بين السماء والأرض، كذلك مما لا يعلمه إلا الله عز وجل.
كل ذلك من مخلوقات الرب سبحانه وهو دال على عظمته، وأنه الخالق لها، (وَالدَّلِيلُ) على ذلك قوله تعالى: ( {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [فصلت: 37] ) .