نقول: إجماع على أن الشرك الأصغر صاحبه ليس مخلدًا في النار، هذا بإجماع أهل السنة والجماعة، من ارتكب الشرك الأصغر ليس خالدًا مخلدًا في النار باتفاق، وإنما هل هو كغيره من الذنوب أو لا؟ قوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] . هل يشمل الشرك الأصغر أو لا؟ نقول: الصواب أنه يشمله.
إذًا أعظم ما نهى الله عنه هو الشرك الأكبر، لماذا؟ قالوا: لأنه هضم للربوبية، وتنقص للإلوهية، وسوء ظن برب العالمين. قال الشيخ رحمه الله: (وذلك لأن أعظم الحقوق هو حق الله عز وجل، فإذا فرط فيه الإنسان، فقد فرط في أعظم الحقوق وهو توحيد الله عز وجل) . ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم: «أتدرى ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله» ؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا» . فأعظم الحقوق هو توحيده جل وعلا، فإذا انتفي التوحيد بوجود الشرك، لأنهما لا يجتمعان، لا توجد عبادة لله جل وعلا وصاحبها على شرك أبدًا، ليست بعبادة، لا تسمى عبادة وإنما هي باطلة، لأنه لا توجد الحقيقة الشرعية وهى العبادة الشرعية إلا بالإخلاص، وإذا وُجد الشرك حينئذٍ انتفى الإخلاص. قال الله عز وجل: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] . وقال أيضًا: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «أعظم الذنب أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك» . كذلك حديث: «من لقى الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئًا فقد دخل النار» .
إذًا الشرك نوعان: شرك أكبر، وشرك أصغر. وأعظم ما نهى الله عنه هو الشرك الأكبر.
ثم انتقل المصنف رحمه الله تعالى إلى الولوج في أصل الكتاب وهو الأصول الثلاثة، يعني لما انهى الرسائل المتقدمة الثلاث التي قلنا بأنها مقدمات للأصول الثلاثة شرع في الأصول. فقال: إذا قيل لك ما الأصول الثلاثة. إذًا ما تقدم من المسائل كما ذكرناه هو من باب التوطئة والمقدمة، لأنه أصَّل أصولًا عامة، المسائل الأربع، والمسائل الثلاث، ثم مفهوم ملة إبراهيم والحنيفية، ثم أراد أن يبين لنا الأصول الثلاثة. وكل ما تقدم من المسائل من الثلاثة المقدمات يعتبر من باب التوطئة والتمهيد لما سيذكره من الأصول الثلاثة. فقال رحمه الله: (فَإِذَا) الفاء تفريع، هذا قد يقال بأن ثَمَّ خلاف هل تلك الرسائل الثلاثة من صنع المؤلف، أو من صنع تلاميذه، الظاهر من الرسائل كونها موجودة مع بعض أنها من صنع المؤلف، والفاء هذه تدل على هذا، لأنه (فَإِذَا قِيلَ لَكَ) الفاء عاطفة، تعطف ماذا على ماذا؟ إذا تقرر عندك المسائل الأربعة والمسائل الثلاثة ومفهوم التوحيد فإذا قيل لك. إذًا لا بأس أن يكون هذا من باب العطف والترتيب لما سبق. (فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الْأُصُولُ الْثَّلَاثَةُ الْتِّي يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ مَعْرِفَتُهَا؟ فَقُلْ: مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ) .